تسعى الولايات المتحدة منذ فترة طويلة إلى الترويج لذريعة تبدأ بها الحرب، ألا وهي خشيتها من هجمات صاروخية باليستية، وهذا الهاجس بدأ من العراق وبالفعل تم تدميرها، والآن جاء دور إيران وإذا سقطت سيكون من بعدها كوريا الشمالية؛ لذا عملت على تطوير درع صاروخي لمواجهتها لهذا، تحسباً لأي صدام مستقبلي مع روسيا في إطار صراع الشرق والغرب، وهو تَوجه يغذيه ما يُوصف بالمخاوف التوراتية، وقد اتخذت أمريكا استعداداتها تحسباً لتحالف محتمل بين روسيا وبعض الدول الإسلامية، رغم كونه احتمالاً قائماً لا يزال قيد التكهن.
وعندما ننظر إلى مجريات الحرب الروسية الأوكرانية، يمكن لنا أن نعتبرها خطوة استراتيجية لإضعاف روسيا تمهيداً لمواجهة أوسع، تماشياً مع تفسيرات أيديولوجية لبعض النصوص المقدسة يتبناها الصهاينة، وتدرك الولايات المتحدة أن الأسبقية في الهجوم تمنح صاحبها اليد العليا؛ ولهذا السبب تم تحييد الجيش العراقي وتجريده من قوته تمهيدًا لما يحدث الآن، وكذلك حصر دور الجيش العراقي في الأمن الداخلي فقط، وبهذا يتم منع أي تهديد قد يطال أمن إسرائيل، كما إن السعي للمبادرة بالهجوم على روسيا يعكس استعجالاً لمواجهة حتمية تفرضها تلك النبوءات، حيث يُعتقد أن الغلبة لمن يبادر بالضربة الأولى، وذلك استجابةً لتوجهات المبشرين الإنجيليين الذين يسعون لتعجيل المجيء الثاني للمسيح، والعمل على وأد أي ظهور لزعيم إسلامي قد يشكل خطراً على الحضارة الغربية وفق منظورهم، وهو ما يفسر الجهود المبذولة لتقويض القيادات الإسلامية استناداً إلى معتقدات دينية وتفسيرات مغلوطة لبعض النصوص.
وفي الاصحاح الثالث والثلاثون من سفر التكوين :"يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّ السَّاكِنِينَ فِي هذِهِ الْخِرَبِ فِي أَرْضِ إِسْرَائِيلَ يَتَكَلَّمُونَ قَائِلِينَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ وَاحِدًا وَقَدْ وَرِثَ الأَرْضَ، وَنَحْنُ كَثِيرُونَ، لَنَا أُعْطِيَتِ الأَرْضُ مِيرَاثًا. لِذلِكَ قُلْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: تَأْكُلُونَ بِالدَّمِ وَتَرْفَعُونَ أَعْيُنَكُمْ إِلَى أَصْنَامِكُمْ وَتَسْفِكُونَ الدَّمَ، أَفَتَرِثُونَ الأَرْضَ؟ وَقَفْتُمْ عَلَى سَيْفِكُمْ، فَعَلْتُمُ الرِّجْسَ، وَكُلٌّ مِنْكُمْ نَجَّسَ امْرَأَةَ صَاحِبِهِ، أَفَتَرِثُونَ الأَرْضَ؟ قُلْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: حَيٌّ أَنَا، إِنَّ الَّذِينَ فِي الْخِرَبِ يَسْقُطُونَ بِالسَّيْفِ، وَالَّذِي هُوَ عَلَى وَجْهِ الْحَقْلِ أَبْذِلُهُ لِلْوَحْشِ مَأْكَلاً، وَالَّذِينَ فِي الْحُصُونِ وَفِي الْمَغَايِرِ يَمُوتُونَ بِالْوَبَإِ ( السلاح النووي). فَأَجْعَلُ الأَرْضَ خَرِبَةً مُقْفِرَةً، وَتَبْطُلُ كِبْرِيَاءُ عِزَّتِهَا، وَتَخْرَبُ جِبَالُ إِسْرَائِيلَ بِلاَ عَابِرٍ. فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ حِينَ أَجْعَلُ الأَرْضَ خَرِبَةً مُقْفِرَةً عَلَى كُلِّ رَجَاسَاتِهِمِ الَّتِي فَعَلُوهَا ". وكما تم تفسيره هذا سيكون نتيجة اسلحة الدمار الشامل. ولكن في الحقيقة يرفضون هذه النبوءة، ويبذلون قصارى جهدهم لمنع تحقيقها.
للأسف يعاني الغرب وقادتهم من هوسٍ بالنبوءات التوراتية وقناعةٍ راسخة بحتمية اندلاع حربٍ ضد من يسمونهم "أعداء الله" وهؤلاء هم من مخالفي دينهم، معتقدين أن هذه الحرب ستُجهض أي تحالفٍ محتملٍ بين العرب، سواء بقيادة مصر أو العراق، أو حتى روسيا، فرادى أو مجتمعين، وهم يؤمنون إيماناً عقائدياً بأن تلك المواجهة المصيرية بين الشرق والغرب ستحدث لا محالة، ويُنظر إليها كحربٍ عالمية ثالثة، ستنتهي بانتصار "أحباب الله" على من سواهم من المسلمين وغيرهم، متجاهلين الحقيقة التي يحاولون الفرار منها، وهي حتمية زوالهم.