خرجت علينا مضيفةُ قطار النوم توزّع ابتساماتها الرقيقة بين الركاب، وتحاول جاهدةً إقناع سائحةٍ إنجليزية بأن القطار لا يقدّم مشروباتٍ كحولية. كنتُ آنذاك برفقة نجلي حاتم، في طريقنا إلى أسوان لزيارة أهلي وإحياء الذكرى السنوية لوفاة والدي رحمه الله. وبينما نحن كذلك، أخذتني الذكريات إلى أجمل ما بقي في القلب من مواقف معه، فقصصتُها على ابني. ومن لطيف المصادفات أن إحدى تلك الذكريات كانت أيضًا في قطار، لكن ليس هذا القطار، ولا ذاك الزمن.
كان الليل طويلًا، وكنتُ أقاوم النعاس شوقًا إلى سماع أذان الفجر؛ موعد السفر مع أبي لزيارة عمّاتي في القاهرة. حملنا معنا هدايا الريف البسيطة التي طالما أفرحت أهل المدينة: العيش الشمسي، والقراقيش، والفول السوداني، وبعض الطيور الداجنة. وما هي إلا ساعة حتى أقبل الكمساري بزيّه المتواضع، يتصبب عرقًا وقد أنهكه السير بين العربات، فضلًا عن جداله المتواصل مع الركاب وسط صياح الديكة وبقيق الدجاج المحبوس في الأقفاص.
شرع الرجل في قطع تذكرتين، ثم أخبر أبي بأنني أستحق تذكرة كاملة. احتفظتُ بها يومها وكأنها شهادة عبور إلى عالم الكبار. وبينما كنت مأخوذًا بمنظر النيل من شرفة القطار المتهالكة، لمحت أبي شارد الذهن. وقبل أن أسأله، تنهد وقال:
«تذكّرتُ جدّك رحمه الله. كنا نستقل هذا القطار نفسه وأنا في مثل عمرك أو أصغر قليلًا، متجهين إلى القاهرة لزيارة أقاربنا. كان الزحام شديدًا والحر خانقًا، حتى إننا لم نرَ وجه الكمساري طوال الرحلة إلا عند الوصول إلى محطة باب الحديد.
وبعد انتهاء الزيارة، التي لا تزال تفاصيلها حيّة في ذاكرتي، خاصة صلاة الفجر مع جدّك في مسجد الحسين القريب من بيت عمّاتك، ركبنا القطار عائدين. وفوجئت بجدّك يطلب من الكمساري أربع تذاكر. فقلت متعجبًا: يا أبي، نحن اثنان فقط، فلمن التذكرتان الأخريان؟ فنظر إليّ طويلًا وقال: يا ولدي، ألم تنسَ أننا حين جئنا لم نقطع تذاكر؟».
يومها لم أفهم مغزى كلماته تمامًا، لكنني أدركته لاحقًا. كانت تلك من أعظم العظات التي تلقيتها في حياتي: أن يتحرّى الإنسان الحلال والحرام في كل شأن، مهما بدا صغيرًا.
أما الموقف الآخر، فكان في يومٍ اشتد فيه الخلاف بيني وبين أمك، حتى قسوت عليها في القول وكاد الأمر ينتهي بالفراق. تسرب الخبر إلى جدّك، فجاء غاضبًا، يسبق غضبه خطاه، وصاح بصوته الجهوري في أرجاء الدار:
«أين خلف؟»
أيقنتُ حينها أنني واقع لا محالة تحت يده. لكن ما شغلني لم يكن الضرب، بل خوفي عليه؛ فقد تجاوز الثمانين من عمره، وخشيت أن يفقد توازنه وهو يضربني. فجلست القرفصاء، ثابتًا لا أتحرك، حتى يفرغ مما أراد.
وما إن انتهى حتى أسرعت جدّتك وأمك نحوي، تحاولان استرضائي، حتى إن أمك قبّلت رأسي ثم قالت متعجبة:
«لماذا جلست على الأرض هكذا؟»
فقلت:
«خشيت على أبي أن يسقط وهو يضربني، فأردت أن أكون أقرب إلى الأرض حفاظًا على سلامته.»
بلغ الكلام جدّك عن طريق جدّتك، فجاءني وقد هدأ غضبه، وضمني إلى صدره. كنت أسمع خفقات قلبه كأزيز المرجل، ثم قال جملة واحدة لا أنساها ما حييت:
«زوجتك أمانة عندي يا ولدي.»
فأكببت على يديه أقبّلهما وأنا أردد:
«سلمت يداك يا أبي.»
ثم انفجرنا جميعًا بالبكاء، حتى خُيّل إليّ أن الأرض ابتلّت من دموعنا.
رحم الله أبي وأمي وجدّي… رحلوا وبقيت ذكراهم تنبض في القلب ما بقي العمر.