أعرف الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة منذ 20 عامًا أو أكثر من ذلك بقليل وتحديدًا فى مطلع الألفية الجديدة حينما جاءت من جامعة حلوان لتتولى مسؤولية ممثل الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار لدى اليونسكو بباريس لمتابعة ملف التراث الثقافي المصري (2003–2005) ، ثم مدير عام آثار الوجه البحري بالمجلس الأعلى للآثار فمدير عام إدارة شئون المنظمات الدولية واليونسكو بالمجلس و الإشراف على إدارة الآثار المستردة فمدير صندوق إنقاذ آثار النوبة (2010) قبل أن تصبح أول سيدة تتولى مسؤولية إدارة الأكاديمية المصرية للفنون بالعاصمة الايطالية روما لمدة سبع سنوات متواصلة من عام 2012 وحتى 2019 .
وللحقيقة ودون مجاملة تركت دكتورة جيهان بصمة في كل موقع تولته داخل وزارة الثقافة الأمر الذى أراه يسهم بشكل كبير في قدرتها على إدارة هذه الوزارة المهمة باعتبارها أحد أهم أسلحة القوى الناعمة المصرية داخليًا وخارجيًا.
ومن هذا المنطلق يعجبني كثيرًا تركيز الوزيرة خلال 90 يومًا منذ توليها المسؤولية على العمل فقط دون الالتفات للمهاترات أو حتى النقد الذى وصل إلى حد التجريح أحيانًا.
دكتورة جيهان كما ذكرت ليست غريبة على الثقافة المصرية سواء وزارة أو مبدعين وما أكثرهم فى هذا البلد، ولذلك فهى تعكف على تنفيذ رؤية الرئيس السيسي التى ترى أن الثقافة رافد مهم من روافد تنمية الوعي لدى المواطنين لما تملكه من مقومات بشرية وبنى تحتية منتشرة بمختلف المحافظات، علاوة علي دورها المهم فى نشر الإبداع المصري خارجيا من خلال مشاركتها في العديد من الفعاليات الثقافية والفنية الدولية.
ظهر ذلك جليًا خلال لقاء دكتورة جيهان مع الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء قبل أيام والذي تم خلاله استعراض الأهداف الاستراتيجية للوزارة خلال السنوات الخمس المقبلة.
ووفقًا لما عرضته دكتورة جيهان على رئيس الوزراء فإن خطة الوزارة ضمن رؤية مصر 2030 تتضمن عددًا من الأهداف الاستراتيجية في القلب منها "حماية الأمن القومي" من خلال تعزيز القوة الناعمة، وتطوير المؤسسات الثقافية، وحماية التراث الثقافي، ودعم الصناعات الثقافية ، وسيتم تحقيق ذلك من خلال تعزيز القوة الناعمة عبر تنمية الموهوبين والنابغين والمبدعين، واكتشاف الموهوبين ودعمهم، وتعزيز تنافسية نظم ومخرجات التعليم الثقافي، وتعزيز الريادة الثقافية من خلال الانفتاح على الثقافات وتحقيق الريادة العربية والإقليمية والتفاعل مع المصريين بالخارج وتعزيز السياحة الثقافية، هذا بالإضافة إلى تطوير المؤسسات الثقافية من خلال الحوكمة والإصلاح التشريعي والمؤسسي، وتنمية الموارد البشرية، والتحول الرقمي في الخدمات، مع رفع كفاءة البنية الأساسية، فضلًا عن صون التراث الثقافي غير المادي والمادي، ودعم الصناعات الثقافية مثل صناعة (الكتاب- الموسيقى والغناء- المسرح والاستعراضات- السينما والدراما- الحرف التراثية).
فيما يركز الهدف الاستراتيجي الثاني على عملية "بناء الإنسان"، وهو الهدف الذى يتطلب تعزيز الهوية الوطنية من خلال تكريس القيم الإيجابية في المجتمع المصري، مع تفعيل ثقـافة التنمـية عبر تحقيق عدالة توزيع المؤسسات الثقافية، وتعزيز القيم التنموية، فضلًا عن تدعيــم ثقـــافة المواطنة وحقوق الإنسـان ومكافحة التطرف الفكري.
ولا أخفيكم سرًا أن أكثر شيء أسعدني فى استراتيجية الثقافة ما يتعلق بتحقيق العدالة الثقافية بشتى أنحاء الجمهورية، فهناك عدد من المحافظات المستهدفة للتطوير، بالتنسيق مع المبادرة الرئاسية "حياة كريمة"، حيث ترتبط العدالة الثقافية بعدد السكان والطبيعة الجغرافية، ولا بد من وصول الخدمات الثقافية لمختلف المحافظات.
أخيرًا وليس آخرًا وكما ذكرت في البداية فإن الوزيرة ليست بعيدة عن مفاتيح الوزارة وطريقة إدارتها، فقد كانت أول سيدة تتولى مسؤولية إدارة أكاديمية روما في فترة مفصلية من تاريخ مصر، وأبلت خلالها بلاءً حسنًا، ما يؤهلها لفهم طبيعة المؤسسات الثقافية المعقدة، وإدارة العلاقات مع الفنانين والمثقفين على المستويين المحلي والدولي.
ختامًا، نؤكد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مسؤولين يمتلكون رؤية، يبتعدون قدر المستطاع عن التفاصيل الصغيرة، ولعل أهم تحد يواجه دكتورة جيهان خلال الفترة المقبلة هو قدرتها على تحقيق التوازن بين طموحات آلاف الفنانين والمثقفين، وبين احتياجات الملايين من الجمهور العريض.
شخصيًا، أثق كل الثقة أن الدكتورة جيهان زكي التى أعرفها ، بخلفيتها الأكاديمية وخبرتها الدولية، تمتلك أدوات النجاح ، ورغم أن الطريق ما زال طويلًا ، فإن تجربة الأشهر الثلاثة الأولى مبشرة ومبشرة جدًا.
بقى أن نقدم التحية للدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة السابق الذى ربما لم يسعفه الوقت أو تساعده الظروف لتنفيذ رؤيته فى قيادة هذه الوزارة الهامة.