لم تعد المنتديات الدولية المعنية بالمياه ساحات لتبادل الرؤى الفنية فحسب، بل تحولت إلى منصات لاختبار قدرة الدول على صياغة مواقفها، وبناء تحالفاتها، والدفاع عن مصالحها في عالم تتزايد فيه ندرة المياه، وتتداخل فيه قضايا المناخ والغذاء والطاقة والتنمية.

من هذه الزاوية، تأتي مشاركة الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري، في فعاليات منتدى إسطنبول الدولي الخامس للمياه باعتبارها محطة ضمن تحرك مصري أوسع لإعادة تثبيت ملف المياه في قلب الأجندة الدولية، خاصة مع اقتراب مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، المقرر عقده في دولة الإمارات خلال الفترة من 2 إلى 4 ديسمبر 2026، بمشاركة في الاستضافة بين الإمارات والسنغال. 

وشارك وزير الري في الجلسة الافتتاحية للمنتدى، الذي يعقد في مدينة إسطنبول يومي 5 و6 مايو 2026 تحت عنوان يربط بين تعزيز مرونة المياه والانتقال من الابتكار إلى التطبيق، وهو عنوان يعكس جوهر التحدي العالمي الراهن: كيف تتحول النقاشات الفنية إلى سياسات ومشروعات قابلة للتنفيذ؟ 

وعلى هامش المنتدى، التقى وزير الري، شيخ تيديان دايي وزير المياه والصرف الصحي بجمهورية السنغال، بحضور السفير وائل بدوي سفير مصر لدى تركيا، في لقاء يكتسب أهميته من موقع السنغال كشريك في استضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، ومن دورها الإفريقي البارز في قيادة مجلس وزراء المياه الأفارقة "الأمكاو".

ويكشف هذا اللقاء عن بعد مهم في الحركة المصرية؛ فالقاهرة لا تنظر إلى مؤتمر الأمم المتحدة المقبل باعتباره حدثًا دوليًا عابرًا، بل كفرصة لصياغة مخرجات عملية تعكس احتياجات الدول النامية، وفي القلب منها الدول الإفريقية التي تواجه ضغوطًا متصاعدة بين ندرة الموارد، وتزايد الطلب، وتداعيات تغير المناخ.

وأكد الدكتور سويلم، خلال اللقاء، حرص مصر على مواصلة التنسيق مع السنغال في مختلف الفعاليات الدولية المعنية بالمياه والمناخ، بما يسهم في صياغة أجندة عالمية أكثر توازنًا وواقعية، مشددًا على أن مصر ستعمل بجدية من أجل تحقيق نتائج قابلة للتطبيق خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، بعيدًا عن الاكتفاء بالبيانات العامة أو التعهدات غير الملزمة.

ويكتسب هذا الطرح دلالة خاصة في ضوء رئاسة مصر، بالشراكة مع اليابان، للحوار التفاعلي الثالث بمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، والمعني بمحور "المياه من أجل الكوكب"، بما يشمل حماية النظم البيئية، واستعادة الدورة الطبيعية للمياه، وتعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ وندرة المياه. 

ومن هنا، تبدو المشاركة المصرية في إسطنبول جزءًا من مسار متصل يستهدف تثبيت ثلاث مرتكزات رئيسية: أولها أن الأمن المائي لم يعد قضية وطنية منعزلة، وثانيها أن التعاون العابر للحدود يجب أن يستند إلى القانون الدولي والثقة والمنفعة المشتركة وعدم الإضرار، وثالثها أن قضايا المياه يجب أن تكون مكونًا أصيلًا في أجندة العمل المناخي، لا ملفًا تابعًا أو هامشيًا.

وفي البعد الإفريقي، أعرب وزير الري عن تقدير مصر للدور المحوري للسنغال في قيادة "الأمكاو"، مؤكدًا التزام القاهرة بالعمل مع داكار وسائر الدول الإفريقية لوضع خطة تنفيذية لرؤية إفريقيا للمياه 2063، الأمر الذي يمثل تحديدًا تمثل انتقالًا من الخطاب القاري العام إلى محاولة بناء مسار تنفيذي، يربط بين الرؤى طويلة المدى والاحتياجات الفعلية للدول.

أما على المستوى الوطني، فإن الرسالة التي تحملها مشاركة وزير الري في المنتدى تتسق مع مستهدفات وزارة الموارد المائية والري في المرحلة الراهنة: تعظيم كفاءة استخدام المياه، تعزيز الإدارة الرشيدة للموارد، دعم التعاون الدولي، وتوسيع حضور مصر في صياغة القواعد والاتجاهات العالمية المرتبطة بالمياه، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها الزيادة السكانية وتغير المناخ على الموارد المحدودة.

ومن إسطنبول إلى أبوظبي، مرورًا بالتنسيق المصري السنغالي، يبدو أن القاهرة تتحرك مبكرًا لضمان ألا يكون مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 مجرد محطة جديدة في سجل المؤتمرات الدولية، بل فرصة لإعادة تعريف الالتزام العالمي تجاه المياه باعتبارها شرطًا للتنمية والاستقرار، ومسؤولية مشتركة لا تحتمل التأجيل.