في مدينة ميونيخ الألمانية، حيث تلتقي كبرى الشركات والمؤسسات الدولية وصناع القرار تحت مظلة معرض ومؤتمر IFAT Munich 2026، لم تعد قضايا المياه والبيئة تطرح باعتبارها ملفات فنية محدودة، بل كعنوان رئيسي لمعادلة أكثر اتساعًا الأمن، والغذاء، والطاقة، والاستثمار، وقدرة الدول على مواجهة تغير المناخ.

ويعد IFAT Munich أحد أكبر وأهم المعارض العالمية المتخصصة في تكنولوجيات البيئة، إذ يجمع هذا العام أكثر من 3200 عارض من أكثر من 60 دولة، لاستعراض أحدث الحلول في قطاعات المياه، والصرف الصحي، وإعادة التدوير، والاقتصاد الدائري، والمدن المستدامة. 

في هذا السياق، جاءت مشاركة الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري، في فعاليات المعرض والمؤتمر، لتتجاوز حدود الحضور البروتوكولي، وتعكس توجهًا واضحًا نحو الانتقال من إدارة الندرة المائية إلى إدارة الفرص التكنولوجية المرتبطة بالمياه.

وعلى هامش الفعاليات، تفقد وزير الري عددًا من أجنحة الشركات العالمية العارضة، مطلعًا على أحدث الابتكارات في مجالات تحلية المياه، والمعالجة المتقدمة، والحلول الرقمية لإدارة الموارد المائية، المحاور التي تتقاطع مباشرة مع منظومة الجيل الثاني لمنظومة المياه المصرية 2.0؛ ذلك التصور الذي يقوم على دمج التكنولوجيا، والحوكمة، وكفاءة التشغيل، وتعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه.

وتكتسب الزيارة أهميتها من كونها تأتي في لحظة دقيقة، لم تعد فيها إدارة الموارد المائية شأنًا هندسيًا فحسب، بل أصبحت جزءًا من منظومة الأمن القومي والغذائي، فمصر بما تمتلكه من خبرات طويلة في إدارة المياه تحت ظروف الندرة، تسعى اليوم إلى توسيع أدواتها عبر التوسع في معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وتطوير منظومة الري، ورفع كفاءة استخدام المياه، مع النظر مستقبلًا إلى التحلية ليس فقط كمصدر لمياه الشرب، بل كمدخل محتمل للإنتاج الكثيف للغذاء.

وخلال لقاءاته مع كبرى الشركات والمؤسسات الدولية المتخصصة، ناقش الدكتور سويلم فرص التعاون في الإدارة الذكية للمياه، وتحلية المياه، ومعالجة وإعادة الاستخدام، وتأهيل محطات الرفع، وخفض استهلاك الطاقة في مشروعات المياه. كما برز ملف نقل وتوطين التكنولوجيا باعتباره أحد المحاور الأكثر دلالة، إذ لم تعد الشراكات الدولية المطلوبة مجرد تعاقدات توريد أو تشغيل، بل مسارًا لبناء قدرة صناعية وطنية في قطاع تتزايد أهميته عالميًا.

ومن ميونيخ، وجه وزير الري دعوة إلى الشركات والمؤسسات الدولية للمشاركة في أسبوع القاهرة التاسع للمياه المقرر عقده في أكتوبر 2026، وكذلك في المعرض والمؤتمر الدولي للمياه والصرف الصحي والطاقة المقرر عقده بالتزامن مع الأسبوع، بما يعكس رغبة مصرية في التحول إلى منصة إقليمية للحوار والتعاون في قضايا المياه.

وتشير هذه الدعوة إلى أن مصر لا تكتفي بموقع المتلقي للتكنولوجيا، بل تلعب دورًا مركزيًا يربط بين التجارب الدولية واحتياجات الدول النامية، خاصة في الشرق الأوسط وإفريقيا، حيث تتقاطع تحديات ندرة المياه مع النمو السكاني، وتغير المناخ، وضغوط الأمن الغذائي.

في المحصلة، تعكس مشاركة وزير الري في IFAT Munich 2026 توجهًا نحو تبني نهج الإدارة الذكية للموارد المائية، والانتقال من التركيز التقليدي على مشروعات البنية الأساسية إلى استكشاف وتوطين التكنولوجيا المتقدمة، فضلًا عن إعادة تعريف المياه ليس كمورد محدود فحسب، بل كقطاع استراتيجي واعد يتيح فرصًا أوسع للاستثمار والتصنيع وبناء شراكات دولية فاعلة.

وبين أجنحة ميونيخ ومنصات القاهرة المرتقبة في أكتوبر المقبل، تبدو الرسالة المصرية واضحة، المستقبل المائي لن يصنع فقط بحفر الترع أو بناء المحطات، بل كذلك بالمعرفة، والابتكار، والتحالفات الدولية القادرة على تحويل تحديات الندرة إلى فرص للتنمية المستدامة.