"ليس عبثاً أن يروّج نتنياهو حلم الدولة الأوتاركية، فهذا ما جلبه بنفسه لإسرائيل من عزله وحصار، لن يعالجه إقالته، التي تمثل أول طريق الإصلاح، فمازلنا نحتاج وقتًا طويلًا لإستعادة ثقة العالم"… هكذا اتهم الكاتب العبري "يسرائيل زيف"- في مقال له على N12- رئيس وزراء الاحتلال بصناعة حالة من العزلة، وترويجها باعتبارها توجه اقتصادي مفيد لشعبه.
الأمر الذي أثار التساؤلات عن ماهية الدولة الأوتاركية؟ وما حقيقة توجهه نحوها في وقت يصرح فيه عن انفتاحه على تكتلات جديدة؟ وما مقومات فكرة الأوتاركية لدى الاحتلال؟ وما عواقبها؟ وهي التساؤلات التي نسعى للإجابة عليها في السطور القادمة.
الأوتاركية أم الانفتاح
تزايدت الضغوط الدولية والتحولات الجيوسياسية على حكومة الاحتلال، بسبب حرب الإبادة طويلة الأمد التي شنها على المدنيين العزل في غزة، وعليه شاع استخدام مصطلح الدولة "الأوتاركية- Autarky" أو المنغلقة على ذاتها في أروقة القرار الإسرائيلي.
والأوتاركية: هي مصطلح أكاديمي قديم، يصف حالة الاكتفاء الذاتي المطلق، وفيها يعيش النظام السياسي الذي اختارها وينمو دون أن يعتمد على التجارة الخارجية أو المعونات الدولية، ويكون قادرًا على توفير احتياجاته الأساسية من غذاء وطاقة وسلاح محلياً، ومن هنا يؤمن نفسه من الضغوط الخارجية والعقوبات وتقلبات سلاسل التوريد العالمية.
بيد أن تصاعد استخدام ذلك المصطلح تزامن مع إعلان "بنيامين نتنياهو" سعيه الدؤوب لعمل تكتل دولي جديد، يضم بعض الدول الإفريقية، ودول من حوض البحر المتوسط، والشرق الأوسط، والهند؛ وكأنه ينفي اتهامات العزلة السياسية والاقتصادية التي يتردد صداها في الشارع العبري، الذي أرجع أسبابها إلى تضحيته بحلفائه وداعميه لإطالة أمد الإبادة في غزة، بانفتاحه على تحالفات دولية جديدة.
الأمر الذي وضع علامة استفهام على حقيقة اختياره أحد التوجهين اللذين يبدوان متناقضين، وعليه أوضح الدكتور "محمد الألفي"- خبير الاقتصاد السياسية- تلك المفارقة في تصريحات خاصة لموقع اليوم، فقال: "قد يبدو الجمع بين الأوتاركية وبناء التكتلات تناقضاً منطقياً، لكن في الفكر الإستراتيجي لنتنياهو، هما وجهان لعملة واحدة تسمى الاستقلال الإستراتيجي القسري، الذي يقوم على وجهين، الأول درع العزلة، الذي يسعى لتحقيقه لتقليل الاعتماد على الغرب، وتجنب ضغوط العزلة الدولية أو العقوبات المحتملة؛
والثاني هو الانفتاح البديل، حيث التوجه نحو الهند، وإفريقيا، والشرق الأوسط ليس انفتاحاً عالمياً تقليدياً، إنما محاولة لتبديل الحلفاء التقليديين- أوروبا وأمريكا، ليحل محلهم شركاء براجماتيين، لا يربطون التجارة بالملفات السياسية أو حقوق الإنسان؛ أي أنه يريد بناء حصن مغلق، يفتح فيه نوافذ تجارية حصريّة مع تكتلات بعيدة عن نفوذ الضغوط الدولية الغربية".
الدولة القلعة
"نتنياهو" الذي ظل لسنوات يباهي بقدرته على تحويل كيانه إلى قوة اقتصادية عالمية منفتحة، غير بوصلته باحثًا عن دولة أوتاركية، الأمر الذي عزاه محللون إلى رغبته في التحرر مما رآه ابتزازا سياسيا دوليًا، حيث يرى امتلاكه مقاومات قيام تلك القلعة المحصنة، على عدة مستويات:
استقلال الطاقة: حجر الزاوية في ذلك الحلم، هو حقول الغاز بشرق المتوسط، التى تجعله مستقلا عن الارتباط بمصادر الطاقة الإقليمية، إذ تمنح نظامه القدرة على توليد الطاقة وتصديرها.
التصنيع العسكري: بسبب تعرضه لبعض الضغوط من الدول المصدرة للأسلحة والذخائر له، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، وما تخضع له شحنات الأسلحة من شروط سياسية، تزايدت وتيرة سعيه للاكتفاء الذاتي في إنتاج الذخائر والصناعات الدفاعية الثقيلة.
الأمن الغذائي والمائي: يسعى "نتنياهو" لضمان بقاء القلعة صامدة في حال فرض حصار عليه أو مقاطعة، من خلال تقنيات التحلية والزراعة الصحراوية.
وفي ذلك يقول "الألفي": "أنه حتى في ظل تلك المقومات، تبقى طبيعة هيكل الاقتصاد الإسرائيلي عائقًا في سبيل تحقيق الأوتاركية، جاعلة منها فكرة صعبة التحقق للغاية، إن لم تكن مستحيلة، فهو اقتصاد صغير المساحة، يفتقر للموارد الطبيعية الشاملة، ويعتمد بنسبة هائلة على الاستيراد لتأمين السلع الأساسية والمواد الخام، بما يخفض جودة الإنتاج، ويرفع تكلفة المعيشة حال مضى في تنفيذها".
وهم الاستقلال الكامل
على الرغم من قوة الاحتلال التكنولوجية، لكنه يبقى كيانًا صغيرًا، يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المواد الخام والسلع الأساسية، "كَوْنَهَا تستورد تقريباً كل النفط والفحم اللذَين تستهلكهما، وحتى اكتشافات الغاز الطبيعي لم تغيِّر من التبعية البنيوية للطاقة القادمة من الخارج"- حسب "دان بيري" في مقال له بصحيفة معاريف.
وأضاف: إن مسألة الاكتفاء الذاتي في الغذاء وهم أكبر، فعلى الرغم من أنهم يقودون ثورة الري والابتكارات في الزراعة الصحراوية، فلا يملكون ما يكفي من الأرض والمناخ المهيأ لزراعة حاصلات كافية من القمح أو الأرز أو الأعلاف للحيوانات.
وعن الاكتفاء الذاتي في قطاع التكنولوجيا الفائقة والصناعة، أكد افتقار كيانه إلى المعادن والمواد الخام، بخلاف المواد الأخرى التي تأتي جميعها من الخارج، مثل: الفولاذ، والألمنيوم، والنحاس، والكيماويات.
وأوضح أن بنية الاقتصاد الإسرائيلي تعتمد على العالم الخارجي، فتمثل عوائد التصدير ثلث الناتج القومي، ويجب أن يوافق العالم على شراء منتجاتهم المتمثلة في: البرمجيات، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الأمنية، والخدمات، ليخرج من ذلك بأن الأوتاركية وهم تقني سيقودهم للانهيار، حيث ترتفع تكاليف المعيشة، بسبب غياب المنافسة الدولية؛ والعزلة التكنولوجية التي تقتل روح أمة الشركات الناشئة- التي يقوم عليها الاقتصاد، فالابتكار لا ينمو في بيئة منغلقة، بل يتغذى على التبادل العالمي، والتدفق الحر للمعلومات، والكفاءات، والأسواق المفتوحة للتصدير.
وفي هذا الصدد، قال "الألفي" في ختام تصريحاته: “قطاع التكنولوجيا هو المحرك الأساسي للاقتصاد الإسرائيلي، وأي توجه نحو الأوتاركية سيؤثر عليه بشكل جذري، في عدة جوانب أهمها: أ) أزمة المواد الخام: يعتمد قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي على استيراد المكونات الدقيقة والمعادن النادرة من الخارج، وفي حال تطبيق العزلة سيتم تعطيل سلاسل التوريد، ما يرفع تكاليف الإنتاج ويقلل القدرة التنافسية؛ ب) هروب الاستثمارات: يقوم قطاع الشركات الناشئة على ما يوصف برأس المال الجريء، الذي يأتي ما يزيد عن 80% منه من الخارج، كما أن العزلة ستؤدي إلى هجرة العقول (Brain Drain)، ونقل المقرات الرئيسية للشركات إلى سيليكون فالي (Silicon valley) أو أوروبا، لضمان الوصول للأسواق العالمية”.
إصرار "نتنياهو" على الحصن المنغلق قد يحميه من قول كلمة نعم لأي طرف، لكنه حسب خبير الاقتصاد السياسي: "سيحيل الكيان من مركز عالمي للابتكار إلى مختبر محلي محدود"، بما يجعل الفكرة محض زنزانة اقتصادية يختارها قادتهم بأنفسهم.