في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية وتتشابك مسارات الدبلوماسية في الشرق الأوسط، أعلنت طهران أن قرار تبادل السفراء مع القاهرة قد حُسم وينتظر فقط ساعة الإعلان، قبل أن يأتي الرد المصري سريعًا وحاسمًا بالنفي.
وبين إعلان إيراني يتحدث عن "قرار نهائي" ونفي مصري يؤكد عدم صدور أي قرار رسمي، تتجدد الأسئلة حول مستقبل العلاقات بين البلدين وحدود التقارب الممكن.
ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط عن مصدر مصري مطلع نفيه صحة ما تردد بشأن اتخاذ قرار رسمي لتبادل السفراء بين القاهرة وطهران.
مؤكدًا أن الاتصالات الجارية تندرج في إطار جهود خفض التصعيد الإقليمي واحتواء التوتر، دون إعلان نهائي برفع مستوى التمثيل الدبلوماسي.
في المقابل، نقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية عن رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في مصر، مجتبى فردوسي بور، قوله إن قرار تبادل السفراء "حُسم بصورة قاطعة".
وينتظر فقط الإعلان الرسمي، مشيرًا إلى وجود "إرادة سياسية كاملة" لدى قيادتي البلدين، وأن المسألة المتبقية تتعلق بتحديد توقيت الإعلان.
تقارب حذر
بحسب التصريحات الإيرانية، عقد الجانبان أكثر من 15 لقاءً على مستوى وزيري الخارجية، إلى جانب اجتماعات قطاعية شملت وزارات الصحة والعدل والسياحة والطاقة، مع دخول بعض التفاهمات حيز التنفيذ وبقاء أخرى قيد الدراسة.
كما شهد عاما 2023 و2024 زخمًا دبلوماسيًا ملحوظًا، تخللته توجيهات إيرانية لتعزيز العلاقات، وزيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى القاهرة في يونيو 2025، حيث أكد أن العلاقات تسير في "مسار متقدم وغير مسبوق".
كما برزت خطوة رمزية مهمة تمثلت في ترحيب القاهرة بقرار طهران تغيير اسم شارع "خالد الإسلامبولي"، في إشارة اعتبرها مراقبون محاولة لطي صفحة خلافات تاريخية تعود إلى عام 1979، حين قطعت العلاقات على خلفية معاهدة السلام المصرية مع إسرائيل واستضافة القاهرة للشاه محمد رضا بهلوي، قبل أن تُستأنف بعد 11 عامًا عند مستوى القائم بالأعمال فقط.
رغبة إيرانية
في هذا الصدد، يرى اللواء محمد عبدالواحد، مستشار الأمن القومي والعلاقات الدولية، أن الإعلان الإيراني لا يستند حتى الآن إلى بيان مشترك أو اتفاق موقع بين الحكومتين، ما يجعله "تصريحًا أحاديًا" يعكس رغبة إيرانية أكثر منه واقعًا دبلوماسيًا مكتمل الأركان.
كما يؤكد اللواء عبدالواحد أن العلاقات المصرية الإيرانية شهدت نموًا تدريجيًا خلال العقد الأخير، لكن في إطار "تقارب حذر" قائم على بناء الثقة خطوة بخطوة، مشيرًا إلى أن كلا البلدين يدرك أهمية الآخر إقليميًا؛ فإيران تنظر إلى مصر كبوابة لكسر العزلة الإقليمية ودولة قادرة على لعب دور وسيط موثوق، بينما ترى القاهرة في طهران فاعلاً مؤثرًا في الإقليم وصاحب قدرات تكنولوجية وعسكرية متقدمة.
غير أن هذا التقارب، وفق اللواء عبدالواحد، تحكمه حسابات دقيقة تتعلق بتوازنات مصر مع دول الخليج من جهة، ومع الولايات المتحدة والغرب من جهة أخرى، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بالتدخلات الإيرانية في بعض الدول العربية وحساسية الملف النووي الإيراني.
رسائل متبادلة
ويرجح اللواء عبد الواحد أن تكون التصريحات الإيرانية قد جاءت في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد احتمالات توتر عسكري في المنطقة، بهدف توجيه رسالة بأن طهران ليست معزولة إقليمياً، وتحقيق مكاسب دبلوماسية داخلية وخارجية.
أما الموقف المصري، فيعكس – بحسب تقديره – تمسكٍا بسياسة التوازن وعدم الانجرار إلى خطوات متسارعة قد تُحدث ارتدادات على شبكة علاقات القاهرة الإقليمية والدولية.
وبين رغبة براغماتية مشتركة لتجاوز إرث الماضي، وحسابات دقيقة للربح والخسارة، يبقى تبادل السفراء احتمالاً قائمًا، لكنه مرهون بتوقيت تراه القاهرة مناسبًا لمعادلاتها الاستراتيجية الأوسع.