شهدت الزيارة الرسمية التي قام بها الملك تشارلز الثالث إلى الولايات المتحدة أجواءً غير تقليدية، امتزج فيها الطابع البروتوكولي بالدعابة السياسية، في مشهد لافت جمع بين الرسمي والساخر داخل البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي.

وجاءت الفعاليات وسط اهتمام إعلامي واسع، حيث شملت استعراضات عسكرية ومأدبة رسمية حضرها كبار الشخصيات من عالم السياسة والأعمال، إلى جانب خطاب تاريخي ألقاه الملك أمام المشرعين الأمريكيين، في ثاني ظهور من نوعه لعاهل بريطاني داخل الكونغرس.

المدرسة الملكية في مواجهة "الترامبية"

وخلال هذه الأجواء، برزت "النكات السياسية" كعنصر غير مألوف في الخطاب الدبلوماسي، سواء من جانب الملك أو من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما عكس اختلافًا في أسلوب التواصل بين المدرستين البريطانية والأمريكية في إدارة الخطاب العام.

ويعتمد أسلوب الرئيس الأمريكي على النكات السريعة (الإيفهات) التي تأتي في الغالب وليدة اللحظة أو ضمن سياق الحديث بشكل ارتجالي، ما يمنحها طابعًا مباشرًا وسريع التأثير. 

في المقابل، تميل النكات التي يستخدمها الملك تشارلز إلى البناء على التركيز والدقة في اختيار الكلمات، مع إعداد مسبق يراعي الهدف من الإلقاء وطريقة توظيفه داخل الخطاب، إضافة إلى استنادها في كثير من الأحيان إلى خلفيات تاريخية تعزز معناها وتمنحها بعدًا أعمق وأكثر تماسكًا.

في ظل توتر بسبب حرب إيران.. الملك تشارلز يلتقي ترامب ويلقي خطابًا في  الكونغرس | يورونيوز

نكات تاريخية ورسائل مبطنة

في مأدبة العشاء الرسمية، تبادل الملك تشارلز وترامب عبارات ساخرة حملت إشارات تاريخية، إذ استحضر الملك محطات من التاريخ المشترك بين البلدين، قائلاً مازحًا إن البريطانيين حاولوا إعادة تطوير البيت الأبيض عام 1814، في إشارة إلى أحداث تاريخية تعود للحرب بين البلدين.

كما أطلق الملك واحدة من أكثر العبارات تداولاً، عندما قال إن "لولا البريطانيين لكان الأمريكيون يتحدثون الفرنسية"، في رد ساخر على تصريحات أمريكية سابقة بشأن الدور الحاسم للولايات المتحدة في الحروب العالمية، ما أثار تفاعلاً داخل القاعة.

وفي المقابل، استغل ترامب المناسبة لتقديم إشادات شخصية بالملك، مع إدخال تعليقاته الساخرة المعتادة، بينها الإشارة إلى نجاح تشارلز في "إجبار الديمقراطيين على الوقوف"، في إشارة إلى تأثير خطابه داخل الكونغرس.

خطاب الكونغرس بين الجدية والدعابة

خلال خطابه أمام جلسة مشتركة في الكونغرس، جمع الملك تشارلز بين الرسائل السياسية الجادة والإشارات الرمزية الساخرة، حيث تناول أهمية حلف شمال الأطلسي، وأكد ضرورة تعزيز التعاون العسكري بين الحلفاء في ظل التحديات الدولية.

وفي الوقت نفسه، لم يخلُ الخطاب من لمسات خفيفة، إذ تضمّن إشارات تاريخية مثل "حفلة شاي بوسطن" إذ وصف مأدبة العشاء الرسمية بأنها "تحسّن ملحوظ"، في مقارنة مع حادثة "حفلة شاي بوسطن" الشهيرة، التي شكّلت إحدى أبرز الشرارات المؤدية إلى الثورة الأمريكية ضد الحكم البريطاني، ما أثار ضحك الحضور، وخلق حالة من التوازن بين الجدية والدبلوماسية غير المباشرة.

وتعود تلك الواقعة إلى عام 1773، حين احتج الأمريكيون على فرض ضرائب بموجب قانون الشاي الصادر عن البرلمان البريطاني، فصعدوا إلى سفن بريطانية في ميناء بوسطن في ديسمبر من ذلك العام، وألقوا بحمولتها من الشاي في البحر.

كما استخدم الملك إشارات سياسية دقيقة، تحدث فيها عن "رئيس وزرائي وحكومتي"، في تأكيد غير مباشر على الطابع المؤسسي لدوره، بعيدًا عن أي استقلال سياسي في قرارات الدولة.

هدايا رمزية ورسائل سياسية

ضمن طقوس الزيارة، قدّم الملك هدية رمزية لترامب عبارة عن جرس يعود لغواصة بريطانية تاريخية دخلت الخدمة عام 1944 خلال الحرب العالمية الثانية، تحمل اسم HMS Trump، في إشارة تحمل طابعًا بروتوكوليًا وساخرًا في آن واحد، حيث قال: "ليكن هذا الجرس شاهدًا على التاريخ المشترك بين بلدينا ومستقبلهما المشرق، وإذا احتجتم يومًا للتواصل معنا، فلا تترددوا في أن ترنّوا لنا".

وفي المقابل، عبّر ترامب عن إعجابه بالملك، واصفاً خطابه بأنه "رائع جداً"، كما أشار مازحاً إلى أنه نجح في تحقيق ما لم يتمكن هو من فعله داخل الكونغرس، وهو توحيد النواب على التصفيق.