في مشهد يعكس تحولا جذريا في موازين القوى بين إيـ.ـران والولايات المتحدة، وكذلك الفجوة التكنولوجية الكبيرة بين القوتين، أعلن الحرس الثوري الإيراني وضع يده على كنز تقني جاء في أكثر من 15 صاروخاً أميركياً من طراز GBU وBLU، ومجموعة أخرى من الصواريخ والمعدات، التي عُثِرَ عليها في محافظة هرمزجان، بعد أن سقطت سليمة دون أن تنفجر.

وقد أثارت تفاصيل بيان الحرس- فيما يتعلق بنقل تلك المعدات والذخائر عقب إبطال مفعولها للتعامل معها- مجموعة من التساؤلات الجوهرية حول أثر ذلك على مستقبل الصناعات الدفاعية الإيرانية القائمة على الهندسة العكسية؛ حيث أكد البيان أن أكثر من 60 صاروخاً وطائرة مسيرة تم اكتشافها وإبطال مفعولها أو تدميرها، منذ بداية الحرب، كان من بينهما صواريخ خارقة للتحصينات وصواريخ كروز ومسيرات مثل: (هاروب- Harop) و(لوكاس- Lucas) و(إم كيو9- MQ-9) وهرمز.

وفي ذلك يقول اللواء أ.ح "محمد رشاد"- الوكيل الأسبق لجهاز المخابرات العامة ورئيس ملف الشئون العسكرية الإسرائيلية منذ نكسة 1967 حتى كامب ديفيد- في تصريحات خاصة لموقع اليوم: "إيران دولة مصنعة للصواريخ، حيث وصل المدى التقني لبعض صواريخها عالية القدرة إلى 4 آلاف كيلومتر، ولديها مصانع متكاملة عالية القدرة في مجال التعامل مع الذخيرة وتصنيعها، وعليه يمكنها فعل ذلك في وقت قصير جدا، حيث التفكيك والدراسة وإعادة التصنيع تعد أمورا بسيطة جدا، أمام إمكانياتها الضخمة".

​من الخردة إلى الردع

20260427_070819_0000
مسارات الاستفادة الإيرانية من المقذوفات الإيرانية 

موطن التحدي في هذا البيان لم يكن الحديث عن إبطال مفعول المقذوفات، بل في قرار نقل هذه المعدات لمعامل الهندسة العكسية، فإيران تمتلك باعاً طويلاً في هذا المجال، وعليه أكد محللون أنها سوف تستفيد من هذا الصيد الجديد في عدة مناحي: أولها تكنولوجيا الاختراق: إذ تمنح دراسة صواريخ GBU وBLU طهران أسرار المعادن، والقدرات التفجيرية المخصصة لضرب المنشآت المحصنة تحت الأرض؛ وثانيها أنظمة التوجيه: حيث يتيح فحص الإلكترونيات السليمة في مسيرات، مثل MQ-9، لإيران تطوير أنظمة تشويش مضادة وكذلك استنساخ دوائر ملاحة متطورة؛ وثالثها سد الثغرات: يقلل الحصول على نماذج حية من سنوات البحث والتطوير، والتكاليف الباهظة للتجارب الفاشلة.

وقد أوضح اللواء "رشاد" فكرة الهندسة العكسية الإيرانية، فقال: "هذا الأمر تكرر كثيرا خلال الماضي القريب، ولم يقتصر على إيران بل امتد ليشمل المقاومة في غزة أيضًا مع أسلحة الاحتلال، وثمة فنيين على درجة عالية من الاحتراف، يستطيعون إعادة تدوير العبوات التي  لم تنفجر لتصنيع أخرى تحمل ذات التكنولوجيا؛

وبالنظر إلى إيران، نجد لديها قدرات فنية عالية للغاية، حيث تمتلك عددًا من المهندسين كبير جدا، مقارنة بالتعداد السكاني البالغ 90 مليون نسمة تقريبا، حتى أنها تحتل المرتبة الثانية بعد الصين في نسبة المهندسين فيها مقارنة بعدد السكان، ومن هنا يتعاملون مع تلك المقذوفات بحرفية عالية".

مستقبل التسليح الإيراني

عائلة ال​مسيرة (شاهد- 171) هي بالأساس نتاج عملية تحويل، نفذتها الفرق الفنية العسكرية بإيران لطائرة (RQ-170) الأمريكية، التي كانت قد سيطرت عليها في مناورة سابقة مع الولايات المتحدة؛ وعليه مع وصول صواريخ BLU و GBU وكروز سليمة إليها، فإنها تقترب جدا احتمالات ظهور جيل جديد من الصواريخ الإيرانية، التي تتميز ب​دقة إصابة متناهية بفضل محاكاة أنظمة الليزر والأقمار الصناعية الأمريكية، و​قدرة تدميرية نوعية لا سيما في مجال الرؤوس الحربية الخارقة للتحصينات، و​تطوير منظومات الدفاع الجوي: من خلال فهم بصمة الصواريخ والمسيرات المكتشفة، وتطوير رادارات قادرة على رصدها بسهولة أكبر.

وفي هذا الإطار، لفت اللواء "رشاد" إلى أن "إيران يمكنها تصنيع أي شيء جديد، لأن القدرة الفنية متوفرة لديها، وهو ما نراه من قدرات الترسانة الصاروخية عالية التطوير، التي ضربت بها الاحتلال والأهداف الأمريكية، وعلى جانب آخر، نجد أن تلك الأسلحة ستؤثر على منظومة الدفاع الجوي، فعلى الرغم من أن التطوير الكامل لأنظمة الدفاع الجوي يحتاج إلى تكنولوجيا أخرى، يمكنها استيرادها من  دول أخرى- مثل: روسيا أو الصين- وكلتاهما حليفة لها، نجد أنها ستدرس التفاصيل الفنية لتلك الأسلحة، وستستفيد منها في تطوير أنظمة الرصد والاعتراض بمنظومة الدفاع الجوي لديها".

بين الردع والرد

السيطرة والهندسة العكسية ليست الرسالة الوحيدة التي حملها بيان الحرس الثوري، فخلف تساؤل توقيت الإعلان والرسائل الموجهة للقوة المعادية، راحت الدعاية السياسية تتحرك في ملعب مفتوح، أشار له اللواء "رشاد" قائلًا: "تكمن عملية الردع في طيات هذا البيان، إذ تلوح به طهران دون أن تستخدمه، ليكون بمثابة حرب نفسية كبيرة ضد الولايات المتحدة، كأنها تقول لها لدينا قدرات فنية عالية في هذا المجال، ومنها سنطور ما نمتلكه من إمكانيات بما يفوق حساباتكم؛ ما يعضد أثر الفشل المعلوماتي لدى واشنطن والاحتلال عن إيران، الذي كشفت عنه الحرب الأخيرة، حيث كانت معلوماتهم قاصرة وأقل كثيرا من الواقع الذي رأيناه على الأرض، وعليه لم يحققا أي هدف من تلك المعركة".

وأضاف: "وعلى نفس المنوال، لن يمكن لواشنطن اتخاذ أي إجراء حيال ما أعلنته طهران، أو الرد عليها، ولن يمكنها الحفاظ على الفجوة التكنولوجية المزعومة بينهما؛ لا سيما والفارق في التصنيع العسكري كبير بين البلدين، فإيران تصنع الأسلحة وتطورها في مؤسساتها العسكرية، وبالتالي تعتمد منهج التصنيع الذاتي، أما الولايات المتحدة فتعتمد على شركات تصنيع عسكري خاصة، تكلفها بالتصنيع ثم تسلم المنتج النهائي للبنتاجون؛ بما يضمن تحقيق التفوق الإيراني واستمراره خاصة في تكنولوجيا صناعة الصواريخ".

حلفاء الظل وتبادل المنافع

روسيا والصين هما حليفتا الظل لإيران، وبدورها تحتاج لتبادل التكنولوجيا العسكرية والخبرات معهما، كما أنهما وجهتها في استيراد الجديد، ومن هنا يتصاعد احتمال ألا تضيع تلك القوى فرصة الاستفادة من صيد الحليفة، في مجال تبادل المعلومات أو تبادل التكنولوجيا نفسها. 

وعن ذلك يقول اللواء "رشاد": "تبادل المعلومات ركن أساسي بين القوى المتحالفة، وبالمثل تبادل التكنولوجيا، فكلا من إيران وروسيا والصين منفتحة جدا في مجال تصنيع الأسلحة، لذا أعتقد أن طهران ستمرر ما لديها من معلومات إلى بكين في المقام الأول، لأنها تعد الدولة الوحيدة التي يمكنها تقديم الدعم لها، حيث لا تعاني من مشكلات عسكرية، بخلاف روسيا التي تقف أمامها مشكلة أوكرانيا، ومن هنا ييسر خلوها من المشكلات منح الدعم لإيران، مقابل الاستفادة من التكنولوجيا الموجودة لديها أو المكتشفة نتيجة تعاملها مع القنابل غير المنفجرة".

​إعادة تدوير الأسلحة التي تحدث عنها الحرس الثوري ليست مجرد محاولة للاستفادة من مواد أولية، بل هي عملية استنساخ للعقل التكنولوجي الغربي، "تجعل طهران قادرة على التعامل مع خصمتها الند بالند، فيكون لديها القدرات العسكرية لتصمد وترد وتستنزف عدوها"- حسب اللواء "رشاد"؛ فكل صاروخ أمريكي سقط سليماً في الأراضي الإيرانية، هو درس تقني مجاني، يجسر الفجوة التكنولوجية بين القوتين المتحاربتين، ويجعل من السلاح الذي صُمم لضرب إيران، مادة خام لتطوير السلاح الذي سيحميها مستقبلاً.