في وقتٍ تتجه فيه الدولة إلى دفع عجلة التنمية العمرانية وجذب الاستثمارات، فجّر النائب محمد عبده، عضو لجنة الإسكان بمجلس النواب، ملفًا شائكًا يتعلق بمنظومة استخراج تراخيص البناء، مؤكدًا أن الإجراءات الحالية ما زالت تعاني من تعقيدات حقيقية تعرقل حركة التشييد وتثقل كاهل المواطنين والمستثمرين على حد سواء.

مؤشرات رقمية تكشف حجم الأزمة
بحسب تصريحات النائب، لا تزال إجراءات استخراج رخصة البناء تمر بما لا يقل عن 8 خطوات إدارية في بعض المحافظات، نتيجة تعدد جهات الاختصاص وتكرار الموافقات الفنية، وهو ما ينعكس مباشرة على زمن الإصدار.
ورغم أن المدة الرسمية المحددة لإصدار الترخيص تبلغ 40 يومًا، فإن الواقع يشير إلى أن الفترة الفعلية تصل إلى نحو 60 يومًا، بسبب ازدواجية الإجراءات وتأخر الردود من الجهات المعنية.

الأرقام الأكثر إثارة للقلق تكشف عن وجود نحو 1.2 مليون منشأة مخالفة على مستوى الجمهورية، وهو رقم يعكس  تعقيد المسار القانوني للبناء وضعف الالتزام به نتيجة طول الإجراءات وتكلفتها.

كما صدرت خلال السنوات الماضية 357 ألف أمر إزالة لمخالفات بناء، إلا أن نسبة كبيرة منها لم تُنفذ بالكامل، ما يطرح تساؤلات حول فاعلية آليات التنفيذ والرقابة.

تداعيات اقتصادية واجتماعية
الأزمة لا تقف عند حدود الإجراءات الإدارية، بل تمتد إلى التأثير المباشر على مناخ الاستثمار فتأخر إصدار التراخيص يعطل مشروعات إسكانية وتنموية تمثل محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي.

كما ينعكس الجمود على سوق العمل، إذ يُعد قطاع التشييد والبناء من أكثر القطاعات كثافة في العمالة، ويضم ملايين العاملين الذين يتأثرون مباشرة بأي تباطؤ في المشروعات.

ويرى خبراء أن استمرار التعقيدات قد يدفع البعض إلى البناء خارج الإطار الرسمي، بما يعمّق أزمة المخالفات ويزيد من الضغط على المرافق والبنية التحتية.

تحرك تشريعي مرتقب

في هذا السياق، أكد النائب محمد عبده أن لجنة الإسكان تعمل حاليًا على إعداد تعديل تشريعي وتنظيمي جديد يستهدف:
تقليل عدد الإجراءات المطلوبة لاستخراج الترخيص.
تسريع زمن إصدار الموافقات الفنية.

تطوير آليات الرقابة على التعديات
تحقيق توازن بين التنظيم العمراني وضمان حق المواطن في السكن، دون الإخلال بضوابط السلامة الإنشائية.

ويُنتظر أن تفتح هذه التعديلات نقاشًا واسعًا تحت قبة البرلمان، في ظل مطالب متزايدة بإعادة هيكلة المنظومة بالكامل وربطها بالتحول الرقمي لتقليل الاحتكاك المباشر وتسريع الإجراءات.

بين الإصلاح والتنفيذ

تبقى التحديات الحقيقية في قدرة المنظومة على التحول من النصوص إلى التطبيق الفعلي فالأرقام الحالية تشير إلى فجوة واضحة بين الإطار القانوني والواقع التنفيذي، وهو ما يستدعي تدخلًا عاجلًا لضبط الإيقاع بين التنظيم العمراني وتشجيع الاستثمار.

وفي ظل توجه الدولة نحو التوسع في المدن الجديدة ومشروعات الإسكان، تبدو إعادة ضبط منظومة التراخيص خطوة حاسمة لضمان استدامة النمو العمراني، وتحقيق معادلة صعبة تجمع بين الانضباط القانوني وتيسير الإجراءات.