خبير زراعي: القمح لم يعد مجرد سلعة بل أصبح أداة ضغط سياسي 

المالية: توفير 69.1 مليار جنيه لتمويل شراء القمح المحلي هذا الموسم

في مشهد عالمي مضطرب تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، يفرض القمح نفسه كأحد أهم عناصر الأمن القومي للدول، ولم يعد مجرد محصول زراعي بل تحول إلى أداة تأثير وضغط في العلاقات الدولية وفي مصر، تتجه الأنظار مع اقتراب موسم الحصاد إلى جهود الدولة لتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، خاصة في ظل أزمات متلاحقة أثرت على سلاسل الإمداد وأسعار الغذاء عالميًا.

بدأت الاستعدادات لموسم القمح مبكرا هذا العام، حيث أعلنت وزارة الزراعة سعر التوريد منذ شهر أكتوبر الماضي، في خطوة تهدف إلى منح الفلاح رؤية واضحة وتشجيعه على التوسع في الزراعة.

الدكتور خالد جاد، المتحدث الرسمي باسم وزارة الزراع
الدكتور خالد جاد المتحدث الرسمي باسم وزارة الزراع

وفي هذا السياق، قال الدكتور خالد جاد، المتحدث الرسمي باسم وزارة الزراعة، أن الدولة قامت برفع سعر توريد القمح مرتين ليصل إلى 2500 جنيه للأردب بدلًا من 2350 جنيهًا، ليكون استجابة مباشرة للمتغيرات الاقتصادية العالمية، وهذه هذه السياسات انعكست على زيادة المساحات المنزرعة لتصل إلى 3.763 مليون فدان، متجاوزة المستهدف بنحو 200 ألف فدان، مع إضافة نحو 500 ألف فدان مقارنة بالعام الماضي، في مؤشر واضح على نجاح الدولة في تحفيز المزارعين.

وأضاف المتحدث الرسمي في تصريح خاص لـ "اليوم"، أن الدولة تستهدف توريد نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي خلال الموسم الحالي 2026، مشيرا إلى أن الإجراءات لم تتوقف عند التسعير فقط، بل شملت تجهيز الشون والصوامع وتيسير عمليات الاستلام، مع الالتزام بصرف مستحقات المزارعين خلال 24 ساعة منذ وقت التسليم، وهو ما يعزز الثقة بين الفلاح والحكومة ويدفع نحو زيادة معدلات التوريد.

وأوضح جاد، أن الوزراة تعمل على مواجهة التغيرات المناخية، وتطوير منظومة الإرشاد الزراعي، وتوفير أصناف جديدة من القمح الأكثر قدرة على التكيف مع الظروف البيئية.

ولفت إلى أن التوسع في استخدام الميكنة الزراعية يسهم في تقليل الفاقد، خاصة أن الحصاد اليدوي كان يتسبب في إهدار جزء من المحصول، وهو ما يعزز من كفاءة الإنتاج ويزيد من العائد الفعلي للمزارع.

وتابع، أن هناك أكثر من 20 صنفًا من القمح عالي الإنتاجية يتم زراعته حاليًا، مع وجود خطة لإضافة 5 أصناف أخرى جديدة خلال الموسم المقبل، في إطار استراتيجية تستهدف الحفاظ على الإنتاجية رغم التحديات المناخية.

الدكتور جمال صيام، أستاذ الإقتصاد الزراعي،
الدكتور جمال صيام، أستاذ الإقتصاد الزراعي،

من جانبه قال الدكتور جمال صيام، أستاذ الإقتصاد الزراعي، أن الأزمات الدولية، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا، أعادت تشكيل خريطة تجارة القمح عالميًا، وأظهرت كيف يمكن أن يتحول هذا المحصول إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية تستخدمها الدول الكبرى لتحقيق مصالحها. 

ويشير أستاذ الإقتصاد الزراعي إلى أن الدول التي تمتلك فائضًا من القمح باتت قادرة على التأثير في قرارات غيرها، وهو ما يدفع مصر إلى تسريع خطواتها نحو تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، لتفادي تداعيات أي أزمات مستقبلية في سلاسل الإمداد.

وأوضح، أنه بالرغم من ارتفاع أسعار القمح عالميًا، يبقى الفلاح في قلب هذه المعادلة، بين مكاسب محتملة من زيادة سعر التوريد، وضغوط حقيقية نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج مثل الأسمدة والوقود والعمالة،

وفي السياق ذاته، كشفت وزارة المالية في تقرير لها عن توفير 69.1 مليار جنيه لتمويل شراء القمح المحلي، خلال الموسم الحالي في خطوة تعكس توجها واضحا نحو تقليل فاتورة الاستيراد، وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية.

وتابع التقرير أن هذا التمويل الضخم يأتي في إطار خطة أشمل لتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي من القمح، خاصة في ظل التقلبات الحادة التي يشهدها السوق العالمي، والتي أثبتت أن الاعتماد على الخارج لم يعد خيارًا آمنًا كما كان في السابق.

في النهاية، تكشف هذه التحركات عن رؤية متكاملة تسعى من خلالها الدولة إلى تحقيق الأمن الغذائي، ليس فقط عبر زيادة الإنتاج، بل من خلال بناء منظومة مستدامة تشمل دعم الفلاح، وتحسين التخزين، وتطوير البذور، وضمان سرعة التوريد، وبين تحديات الداخل وتقلبات الخارج، يبقى القمح اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على تأمين احتياجات مواطنيها، في عالم لم يعد يعترف إلا بمن يملك قوته وغذاءه.