في صفحات التاريخ الإسلامي، تتكرر أيام بعينها لتغدو علامات فارقة في مسيرة الأمة، لا بسبب حدث عابر، بل لأن ما وقع فيها شكّل تحولًا عسكريًا أو سياسيًا ترك أثره في مجرى الأحداث لعقود وربما لقرون ويُعد الرابع من شهر رمضان واحدًا من تلك الأيام التي شهدت محطات مفصلية، بدءًا من أول تنظيم عسكري رسمي في صدر الإسلام، وصولًا إلى لحظة سياسية دقيقة في الأندلس حين اجتمع أهل قرطبة لاختيار خليفة يعيد الاستقرار إلى مدينتهم المضطربة.
أول لواء في الإسلام في السنة الأولى من الهجرة النبوية، كانت المدينة المنورة تشهد ولادة مجتمع جديد، يقوم على العقيدة والتنظيم، ويستعد لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية التي فرضتها قريش بعد هجرة المسلمين من مكة. فالمهاجرون تركوا أموالهم وديارهم، وتعرضوا لمصادرة ممتلكاتهم، وأصبحت قوافل قريش التجارية تمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا للخصم الذي لم يتوقف عن تهديد الدولة الناشئة.
في هذا المناخ، بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم في تنظيم تحركات عسكرية استطلاعية تحمل طابع الردع وإظهار القوة. الحدث: عقد أول لواء لحمزة بن عبدالمطلب في الرابع من رمضان سنة 1 هـ الموافق 623 ميلادية، عقد النبي صلى الله عليه وسلم أول لواء في الإسلام لعمّه الصحابي الجليل حمزة بن عبد المطلب، الذي لُقب لاحقًا بـ"سيد الشهداء". قاد حمزة سرية مكوّنة من ثلاثين رجلًا من المهاجرين، بهدف اعتراض قافلة تجارية لقريش كان يقودها أبو جهل، وعلى رأسها نحو ثلاثمائة رجل. لماذا لم يقع قتال؟ رغم الفارق العددي الكبير، لم يشهد اللقاء مواجهة عسكرية.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن طرفًا ثالثًا تدخّل للفصل بين الفريقين، ما حال دون اندلاع قتال مباشر. غير أن أهمية الحدث لا تكمن في وقوع المعركة من عدمه، بل في الرسائل التي حملها: إعلان رسمي عن بدء التنظيم العسكري للدولة الإسلامية. إظهار استعداد المسلمين للتحرك دفاعًا عن حقوقهم. اختبار أولي لقدرات المهاجرين القتالية تحت راية منظمة. كان اللواء هنا رمزًا لبداية مرحلة جديدة، انتقلت فيها الدعوة من طور الصبر على الأذى في مكة، إلى طور بناء القوة في المدينة.
دلالات اللواء الأول.. من الرمزية إلى تأسيس المنهج يُجمع المؤرخون على أن عقد أول لواء مثّل خطوة استراتيجية في بناء مؤسسات الدولة. فاللواء لم يكن مجرد راية تُحمل، بل كان إعلانًا عن وجود قيادة، وتنظيم، وتسلسل أوامر. كما أن اختيار حمزة، المعروف بشجاعته ومكانته، عكس توجهًا واضحًا نحو تعزيز الروح المعنوية للمهاجرين، وإرسال رسالة لقريش بأن المرحلة القادمة لن تكون استمرارًا لسنوات الاستضعاف.
ومن هذا الحدث بدأت سلسلة السرايا والغزوات التي شكّلت الإطار العسكري للدولة الإسلامية، وصولًا إلى معارك كبرى كـ بدر وأحد والخندق. قرطبة بلا حاكم.. ثلاثة أسابيع من الفراغ السياسي ننتقل بعد أربعة قرون تقريبًا إلى الضفة الأخرى من العالم الإسلامي، إلى الأندلس التي كانت قد بلغت ذروة ازدهارها في عهد الدولة الأموية، قبل أن تدخل مرحلة اضطرابات سياسية عُرفت بفتنة الأندلس. في عام 414 هـ الموافق 1023 ميلادية، كانت مدينة قرطبة تعيش حالة من القلق بعد تخلصها من حكم البربر وزعيمهم القاسم بن حمود، الذي سيطر على مقاليد الأمور في مرحلة مضطربة من تاريخ المدينة.
ثلاثة أسابيع بلا خليفة بعد الإطاحة بالحكم القائم، ظلت قرطبة دون حاكم لمدة ثلاثة أسابيع، وهو فراغ سياسي خطير في مدينة كانت تُعد عاصمة العلم والسياسة في الأندلس. هذا الفراغ كشف هشاشة الوضع السياسي، وأبرز حاجة المجتمع القرطبي إلى قيادة تعيد الاستقرار، وتمنع انزلاق المدينة إلى صراعات داخلية أو تدخلات خارجية. اجتماع أهل قرطبة في الرابع من رمضان عام 414 هـ، اجتمع وجهاء وأعيان قرطبة لاختيار خليفة جديد، في خطوة هدفت إلى استعادة الاستقرار وإحياء الشرعية السياسية.
ووقع الاختيار على عبدالرحمن بن هشام الأموي، ليُبايع خليفة على المدينة. لماذا اختيار أموي؟ كان اختيار عبدالرحمن بن هشام يحمل دلالة رمزية وسياسية؛ إذ مثّل الامتداد الأموي محاولة لإحياء هيبة الدولة التي بلغت في عهدها أوج قوتها. فالأندلس، التي عرفت عصرًا ذهبيًا في ظل الخلفاء الأمويين، كانت تبحث عن مرجعية شرعية تستعيد بها وحدتها بعد سنوات من الانقسامات.
هل نجح الخيار في إنهاء الاضطراب؟
رغم أن البيعة مثّلت لحظة توافق نسبي، فإن مرحلة ما عُرف بملوك الطوائف كانت تلوح في الأفق. فالخلافات الداخلية والتنافس على السلطة لم تختفِ بالكامل، بل أخذت أشكالًا جديدة. ومع ذلك، فإن اجتماع أهل قرطبة في حد ذاته عكس وعيًا سياسيًا بأهمية الشورى وتجنب الفوضى، ومحاولة لتثبيت مرجعية جامعة في زمن الاضطراب بين المدينة وقرطبة.. مشهدان يكشفان طبيعة التحول في الأمة الحدثان اللذان وقعا في الرابع من رمضان يفصل بينهما أربعة قرون، لكنهما يشتركان في كونهما لحظتين انتقاليتين: في المدينة: انتقال من الاستضعاف إلى بناء القوة المنظمة. في قرطبة: انتقال من الفوضى إلى محاولة استعادة الشرعية والاستقرار