مع اقتراب مواسم إخراج الزكاة، يتجدد السؤال الذي يشغل أذهان كثير من المسلمين: هل يجوز تقسيط زكاة المال أم يجب إخراجها دفعة واحدة فور وجوبها؟ في هذا السياق، خرج مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية ببيان توضيحي حاسم، وضع فيه النقاط فوق الحروف، مبينًا الرأي الشرعي المعتمد، والضوابط التي تحكم هذه المسألة، بما يحقق مقاصد الشريعة ويحفظ حقوق الفقراء. أكد المركز أن الأصل الشرعي في زكاة المال هو إخراجها فور وجوبها متى اكتمل النصاب وحال الحول، باعتبارها حقًا لله تعالى في مال المزكي، وحقًا معلومًا للفقراء والمستحقين. فالزكاة ليست تبرعًا اختياريًا، بل فريضة مالية لها وقت محدد، وتأخيرها بغير عذر يُعد تفريطًا في حق واجب. ولهذا شدد العلماء عبر العصور على ضرورة المبادرة بإخراجها وعدم التسويف فيها. متى يجوز تقسيط الزكاة؟ رغم التأكيد على مبدأ التعجيل، أوضح مركز الأزهر أن تقسيط زكاة المال جائز في حالات محددة، من بينها: إذا كان في التقسيط مصلحة ظاهرة للفقير، كأن تكون حاجته مستمرة على مدار العام. إذا وجدت ضرورة تقتضي إخراجها على دفعات. إذا طرأ على المزكي عذر يمنعه من إخراجها كاملة في وقت وجوبها، كتعثر مالي مفاجئ. وشدد البيان على أنه إذا لم يستطع المزكي إخراج المبلغ كاملًا، فعليه أن يخرج ما يقدر عليه فورًا، وينوي إخراج الباقي متى تيسر له ذلك، مع المبادرة دون إهمال أو تأخير متعمد. فالنية هنا عنصر جوهري، إذ يعقد المزكي عزمه على سداد ما تبقى باعتباره دينًا في ذمته حتى يؤديه. الزكاة.. حق الله في المال ومسؤولية اجتماعية وصف المركز الزكاة بأنها "حق الله تعالى في المال"، وهو توصيف يعكس عمق البعد التعبدي والاجتماعي لهذه الفريضة. فالزكاة ليست مجرد معاملة مالية، بل عبادة تطهر المال والنفس، وتعيد توزيع الثروة بما يحقق التكافل. وتقسيطها عند الحاجة لا يعني التفريط، بل يندرج تحت قاعدة رفع الحرج وتحقيق المصلحة، وهي من المقاصد الكبرى في الفقه الإسلامي. من هم المستحقون للزكاة؟ في سياق توضيحه، أعاد المركز التذكير بمصارف الزكاة الشرعية، التي حددها القرآن الكريم بدقة، مؤكدًا أن الالتزام بهذه المصارف شرط لصحة إخراج الزكاة. أولًا: الفقراء.. الحاجة التي لا تبلغ نصف الكفاية الفقير في اللغة هو المحتاج، والفقر ضد الغنى. أما في الاصطلاح الشرعي، فهو من لا يجد ما يكفيه أصلًا، أو يجد بعض ما يكفيه لكنه يقل عن نصف حاجته الأساسية. هذا التعريف يضع الفقير في دائرة الحاجة الشديدة، حيث يعجز عن توفير أساسيات الحياة من مأكل وملبس ومسكن وعلاج. ثانيًا: المساكين.. من يجد بعض الكفاية دون تمامها المسكين مأخوذ من السكون، وكأن الحاجة أسكنته وأضعفت حركته. وفي الفقه، هو من يجد أكثر من نصف كفايته أو نصفها، لكنه لا يبلغ حد الكفاية التامة له ولمن يعول. أي أنه أفضل حالًا من الفقير عند بعض الفقهاء، لكنه لا يزال في دائرة الاحتياج. خلاف فقهي: أيهما أشد حاجة؟ اختلف العلماء في تحديد الأشد حاجة: الفقير أم المسكين؟ يرى الإمام مالك أن المسكين أشد حاجة، لأنه في نظره غير قادر على العمل والكسب. بينما ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الفقير أشد احتياجًا، مستدلين بقوله تعالى في سورة الكهف: «أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ» واعتبروا أن وصف المساكين بالعمل يدل على قدرتهم على الكسب، مما يعني أن الفقير الذي لا يجد شيئًا أو أقل من نصف حاجته أشد عوزًا. أما الحنفية والمالكية ففسروا الآية بأن المساكين كانوا يعملون بأجر أو كانوا ركابًا لا مالكين، فلا يدل ذلك على قدرتهم المالية الكاملة. هذا الخلاف يعكس ثراء الفقه الإسلامي، ويؤكد أن جوهر المسألة هو تحقيق العدالة ووصول المال إلى الأشد احتياجًا. العاملون عليها.. أجر مقابل خدمة الزكاة يشمل هذا المصرف القائمين على جمع الزكاة وحفظها وتوزيعها وتسجيلها. فهؤلاء يُعطَون من أموال الزكاة مقابل عملهم، حتى لو كانوا أغنياء، لأن ما يأخذونه أجر خدمة، لا صدقة حاجة. المؤلفة قلوبهم.. سياسة شرعية لتحقيق المصلحة وهم أصحاب المكانة والنفوذ في أقوامهم، ممن يُرجى بإعطائهم تأليف قلوبهم على الإسلام أو كف أذاهم. ويُعطَون تحقيقًا لمصلحة عامة، سواء كان ذلك ترغيبًا في الإسلام أو دفعًا لشر متوقع. هذا المصرف يعكس البعد الاستراتيجي في التشريع الإسلامي، حيث تُستخدم الزكاة أداةً لحماية المجتمع وتعزيز استقراره. الرقاب.. تحرير الإنسان من القيد كان هذا المصرف يتعلق بالعبيد الذين كاتبوا سادتهم لتحرير أنفسهم، فيُعانوا من مال الزكاة لسداد ما عليهم. ويمتد المعنى عند عدد من العلماء إلى فك أسر المسلمين وإعانتهم على الخروج من القيود التي تمنع حريتهم. الغارمون.. إنقاذ المدينين من دوامة العجز الغارم هو المدين العاجز عن سداد دينه. وقد يكون تحمّل الدين لإصلاح ذات البين بين الناس، أو لظروف قاهرة ألمّت به. ويُعطى من الزكاة ما يسد دينه، حتى يستعيد توازنه المالي والاجتماعي، ويعود فردًا منتجًا في مجتمعه. في سبيل الله.. بين الجهاد والطلب الشرعي للعلم يشمل هذا المصرف المقاتلين تحت راية الدولة الشرعية، بما يعينهم على أداء واجبهم من نفقة وسلاح وعدة. وشدد العلماء على أن الجهاد لا يكون إلا تحت راية دولة وبإذن حاكمها، وليس بقرار جماعات أو تنظيمات منحرفة. كما وسّع بعض الفقهاء مفهوم "في سبيل الله" ليشمل المتفرغين لطلب العلم الشرعي، بل وأدخل بعضهم الفقير الذي لا يملك نفقة الحج. ابن السبيل.. الغريب الذي انقطعت به السبل وهو المسافر الذي انقطع به الطريق بعيدًا عن بلده، ولا يملك ما يوصله إلى أهله.