حين تندلع الحروب، وتتحول الخسائر إلى مجرد أرقام تُذاع في النشرات الإخبارية وتُسجل في التقارير، يعود الواقع ليجسدها قصصًا إنسانية عميقة تعكس معاناة طويلة لا تنتهي.
في لبنان، باتت أصوات القنابل التي تلقيها الطائرات الإسرائيلية بلا هوادة واقعًا يوميًا يثقل حياة الناس، يستيقظ الأطفال على دوي القصف بدلًا من أصوات الحياة، وتودّع الأمهات أبنائهن بقلوبٍ يعتصرها الألم، فيما تُجبر عائلات كاملة على مغادرة منازلها التي تحولت إلى أنقاض، بحثًا عن أمانٍ قد لا تجد إليه سبيلًا، ليبيت الألم واقع أهل لبنان الأليم.
منذ 2 مارس الماضي، وبعد اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والاحتلال من جهة وإيران وانضم إليها حزب الله من جهة أخرى، قرر العدو الإسرائيلي أن ينال جنوب وشرق لبنان نصيبًا كبيرًا من وحشيته، فقصف المدنيين في المنازل والمستشفيات تحت مزاعم استهداف مواقع لحزب الله، ويرفع حصيلة الضحايا من اللبنانيين إلى 1953 شهيدًا و6303 مصابًا، ويتسبب في نزوح أكثر من مليون مواطن بعدما تحولت منازلهم إلى ركام، أو خوفًا من الموت داخلها في إحدى الهجمات الغاشمة.
المدنيون… أهداف للحرب
وسط الدمار الهائل الذي خلفته الضربات الوحشية الإسرائيلية، يخرج قادة الاحتلال ليعلنوا أن هجماتهم لا تستهدف سوى مواقع ومراكز قيادية تابعة لحزب الله، فترد أرقام الشهداء والمصابين من المدنيين والطواقم الطبية والمسعفين عليهم داحضة تلك المزاعم، ومؤكدة أن دماء الأبرياء هدف للعدو الإسرائيلي في كل زمان ومكان.
وبعدما امتدت آثار القصف الإسرائيلي إلى الأحياء السكنية والمستشفيات ونقاط الإسعاف، لم يعد الحديث عن استهداف مواقع تابعة لحزب الله يُقنع من فقدوا أحبائهم وخسروا منازلهم واضطروا إلى النزوح.
وعقب إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، ظن اللبنانيون أنهم وجدوا سبيلًا إلى الراحة، ليباغتهم العدو الإسرائيلي مع شروق شمس الثامن من أبريل بغارات هي الأشد فتكًا منذ اندلاع الحرب، فتتهاوى الأبنية بمن فيها، ويتساقط الأبرياء بين قتلى وجرحى، وتعجز المستشفيات عن استقبال مئات الضحايا، وتتناثر الدماء على الطرقات والجدران، لتبقى شاهدة على عدو يأبى أن تقف الحرب إلا بإزهاق أرواح أكبر عدد ممكن من المدنيين.
انتهاك القانون الدولي
لم يأبه العدو الإسرائيلي بالقانون الدولي الإنساني، الذي يضع المدنيين والعاملين في الرعاية الصحية وسيارات الإسعاف ضمن الفئات المحمية من الاستهداف في الحروب، حيث بلغ عدد الضحايا من العاملين في القطاع الطبي 50 شهيدًا و 150 مصاب منذ اندلاع المعارك- حسب منظمة الصحة العالمية.
وفي هذا، يقول الدكتور "محمد اليمني"- الباحث والمحلل السياسي لليوم: "إسرائيل لا تعترف بالقانون الدولي، وتعمد إلى قتل المدنيين في الجنوب اللبناني على غرار ما حدث في غزة، وهذا ليس جديدًا عليها وعلى اليمين المتطرف الذي يحكمها"، موضحًا أن "هذا يدل على تمتع رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بالحماية لارتكاب المجازر بحق المدنيين منذ 8 أكتوبر 2023".
واختتم تصريحاته بالإشارة إلى السبب الحقيقي لاستمرار الاحتلال في مهاجمة لبنان، فقال: إن "نتنياهو استمر في شن الهجمات على لبنان، لأنه يريد الإبقاء على جبهة مفتوحة، في ظل استعداده لانتخابات مفصلية في أكتوبر المقبل، وهو ما ينافي الاتفاق على شمول لبنان في الهدنة، وفقًا لما صرح به ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر".