شهدت واشنطن أول محادثات دبلوماسية مباشرة بين لبنان وإسرائيل منذ أكثر من ثلاثة عقود، في خطوة تمهيدية لمسار تفاوضي محتمل نحو تهدئة مستدامة، وسط تصاعد التوترات جنوب لبنان، حيث انعقد اللقاء بوساطة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي وصفه بفرصة تاريخية لإعادة ترتيب المشهد الأمني.
خلال الاجتماع، دعت السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض إلى وقف إطلاق النار وعودة النازحين، مع التشديد على سيادة الدولة وبسط سلطتها. في المقابل، أكدت واشنطن دعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بينما طالبت بيروت بخطوات إنسانية عاجلة.
وللوقوف على خلفيات وتداعيات التحركات الدبلوماسية الأخيرة بين لبنان وإسرائيل، أجرى موقع "اليوم" حوارًا مع السفير مسعود معلوف، سفير لبنان السابق لدى بولندا وتشيلي، والمقيم حاليًا في واشنطن، حيث يُعد من أبرز الخبراء في الشؤون الأمريكية.
كيف تقرأ مخرجات الاجتماع التمهيدي الذي عُقد في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، وهل يمكن اعتباره نقطة تحول فعلية نحو مفاوضات مباشرة؟
الاجتماع الذي حصل في واشنطن بين سفيري لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية وبحضور وزير الخارجية كان اجتماعًا تمهيديًا، وضع كل فريق فيه النقاط على الحروف، موضحًا مطالبه وما يتوقعه في حال انطلاق المفاوضات، وما الذي يريد تحقيقه. وعلى ما يبدو، ووفق ما قالت وزارة الخارجية الأمريكية، كان الاجتماع ناجحًا لأنه أفضى إلى اتفاق بين الطرفين على مواصلة الحديث لاحقًا، وتم الاتفاق على عقد مفاوضات جدية في المستقبل القريب، على الأرجح في واشنطن، حيث ستُشكل كل دولة وفدًا لإجراء مفاوضات مباشرة.
إلى أي مدى تعكس الدعوة اللبنانية لوقف إطلاق النار وعودة النازحين، كما عبّرت عنها ندى حمادة معوض، توجهًا رسميًا جادًا للانخراط في مسار تسوية شاملة؟
الدعوة اللبنانية لوقف إطلاق النار تدخل في مسار عام يريد من خلاله لبنان إنهاء الحرب الإسرائيلية على أراضيه وعلى شعبه، وهذا لا يعني أنه يريد التطبيع مع إسرائيل.
إقامة علاقات دبلوماسية طبيعية تخضع لقرار قمة بيروت عام 2002، التي نصت على استعداد الدول العربية لإقامة علاقات مع إسرائيل عند قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين. أما الآن، فلبنان يسعى فقط إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية، خصوصًا أن نتنياهو وضع شرطين هما إنهاء حزب الله والتطبيع، ولبنان ليس جاهزًا لذلك حاليًا.
كيف تقيّم الدور الأمريكي في إدارة هذا المسار بقيادة ماركو روبيو، خاصة مع التأكيد على أن أي اتفاق يجب أن يتم برعاية واشنطن؟
الدور الأمريكي واضح أنه يميل إلى إسرائيل، وهذا ليس سرًا، إذ إن أولوية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هي إسرائيل، لكنها تهتم أيضًا بلبنان. الرئيس ترامب محاط بمستشارين من أصول لبنانية، وهو يميل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حتى لا تنعكس الأوضاع في لبنان على المفاوضات مع إيران. ورغم أن واشنطن تقول إن وقف إطلاق النار مع إيران لا يشمل لبنان، إلا أن ترامب يفضل أن يشمل لبنان ولو مؤقتًا.
في ظل الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء نفوذ حزب الله، هل يمتلك لبنان القدرة السياسية والعسكرية لتنفيذ هذه الالتزامات على الأرض؟
من الناحية السياسية، هناك تأييد واسع داخل لبنان لحصرية السلاح بيد الدولة، وقد تحدث الرئيس جوزيف عون عن ذلك في خطاب القسم، كما نص عليه البيان الوزاري للحكومة ووافق عليه البرلمان، بما فيه حزب الله. أما من الناحية العسكرية، فالصعوبة ليست في القدرات بل في الخشية من اندلاع حرب أهلية، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من الجيش من الطائفة الشيعية، ما قد يهدد بانقسامه. لذلك هناك تردد في التنفيذ رغم وجود إرادة، بانتظار ما ستؤول إليه التطورات، خصوصًا في ما يتعلق بدور إيران.
كيف يمكن قراءة الموقف الإسرائيلي الرافض لدور فرنسا في هذه المفاوضات، وما دلالات حصر الوساطة في الإطار الأمريكي فقط؟
فرنسا صديقة للبنان وعلاقاتها معه تاريخية وقوية، وهي كانت ستطالب إسرائيل بوقف الكثير من الأعمال المدمرة، كقتل المدنيين وتدمير القرى واحتلال الأراضي. إسرائيل لا تريد ذلك، وتفضل أن تنفرد مع الولايات المتحدة في إدارة الملف، لأن واشنطن تؤيدها بشكل كامل، ولا ترغب في وجود طرف قد يفرض عليها ضغوطًا إضافية.
مع استمرار رفض قيادات من حزب الله لأي تسوية، هل ترى أن هذا المسار قابل للتطور إلى اتفاق فعلي، أم أنه يظل في إطار التهدئة المؤقتة وإدارة الأزمة؟
موقف حزب الله مرتبط بموقف إيران، وهو لا يؤيد حاليًا المفاوضات ولا التطبيع. ما سيحصل يتوقف على نتائج الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وعلى ما إذا كانت طهران ستوقف دعمها لحزب الله.
في السابق، التزم الحزب بالتهدئة رغم خروقات إسرائيل، لكنه تحرك لاحقًا بناءً على طلب إيراني. لذلك، مستقبل هذا المسار مرتبط بنتائج تلك المواجهة، ولا يمكن الجزم الآن ما إذا كان سيتحول إلى اتفاق فعلي أو يبقى في إطار التهدئة المؤقتة.