يثير تعيين رومان غوفمان رئيسًا جديدًا لجهاز الموساد كثيرًا من الجدل، ليس فقط بسبب مسيرته العسكرية، بل أيضًا نتيجة خلفيته الشخصية المعقدة وملفاته المثيرة للانتقادات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

وصادقت الحكومة الإسرائيلية على تعيين غوفمان رئيسًا للموساد خلفًا لرئيس الجهاز الحالي دافيد برنيع، حيث يتسلم مهامه في يونيو القادم، وذلك بعد مصادقة اللجنة الاستشارية للتعيينات العليا على ترشيحه، وتوقيع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على كتاب التعيين رسميًا.

والداه أخفيا عنه أنه يهودي

وُلد غوفمان عام 1976 في بيلاروسيا، التي كانت حينها جزءًا من الاتحاد السوفياتي، ونشأ في بيئة اتسمت بالغموض حول هويته الدينية.

ولم يكن يعلم في طفولته أنه يهودي، إذ أخفى والداه هذه الحقيقة عنه خوفًا من تعرضه للاضطهاد، قبل أن يكتشف ذلك لاحقًا بعد الهجرة إلى إسرائيل.

رحلة الهجرة

انتقل غوفمان إلى إسرائيل في سن الرابعة عشرة عام 1990، واستقرت عائلته في مدينة أشدود، حيث واجه تحديات الاندماج والتمييز الاجتماعي.

وتشير روايات سيرته إلى أنه تعرض للتنمر من محيطه، ما دفعه إلى تعلم الملاكمة، حيث برز فيها وحقق نتائج متقدمة على المستوى المحلي.

بينما تلقى تعليمه المدرسي في مؤسسة تعليمية بحرية، قبل أن يتجه إلى دراسة العلوم السياسية، ويحصل لاحقًا على درجة الماجستير في الأمن القومي.

ويُعرف عنه اهتمامه بالقراءة والتحليل، وهو ما انعكس على توجهاته الفكرية المرتبطة بدور المؤسسة العسكرية في صناعة القرار.

مسيرة عسكرية طويلة

التحق غوفمان بالجيش الإسرائيلي عام 1995 ضمن سلاح المدرعات، وبدأ مسيرته كمقاتل قبل أن يتدرج في مواقع القيادة الميدانية.

وشغل مناصب متعددة، منها قيادة كتيبة في اللواء السابع، والعمل كضابط عمليات في فرقة 36، ثم قيادة ألوية وفرق عسكرية، وصولًا إلى قيادة الفرقة 210 في الجولان.

كما تولى قيادة المركز الوطني للتدريبات البرية، وهو منصب يعكس ثقة المؤسسة العسكرية بقدراته التنظيمية والقيادية.

وفي مسار لاحق، عُيّن في مواقع تنسيقية حساسة مرتبطة بإدارة الشؤون المدنية في المناطق الفلسطينية، ما أتاح له خبرة إضافية في الملفات الأمنية المركبة.

إصابة خلال هجوم 7 أكتوبر

شكلت إصابته خلال هجوم 7 أكتوبر 2023 نقطة تحول في صورته العامة داخل إسرائيل.

فقد شارك في المواجهات بشكل مباشر، وأصيب خلال اشتباكات مع المقاومة الفلسطينية، وهو ما استُخدم لاحقًا لتعزيز صورته كقائد ميداني حاضر في خطوط المواجهة.

المقرب لنتنياهو

انتقل غوفمان إلى دائرة صنع القرار السياسي عندما عُيّن سكرتيرًا عسكريًا لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في عام 2024.

وفي هذا المنصب، تولى ملفات حساسة، أبرزها إيران وروسيا، وشارك في بلورة تقديرات استراتيجية تتعلق بتوازنات إقليمية معقدة، خاصة في سوريا.

كما رافق نتنياهو في زياراته الدولية، ما عزز مكانته داخل الدائرة الضيقة لصنع القرار، وأكسبه نفوذًا سياسيًا يتجاوز دوره العسكري التقليدي.

توجهات فكرية

تعكس كتابات غوفمان ومواقفه رؤية غير تقليدية لدور الجيش، إذ يرى أن القادة العسكريين يجب أن يساهموا في صياغة السياسات، لا أن يكتفوا بتنفيذها.

كما ارتبط اسمه بمقترحات تدعو إلى فرض ترتيبات أمنية مشددة في غزة، بما في ذلك أفكار حول استمرار السيطرة بعد انتهاء العمليات العسكرية.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن غوفمان شارك في عمليات عسكرية خارج الحدود، خاصة في سوريا، ضمن جهود استهداف الوجود الإيراني.

كما ارتبط اسمه بملفات حساسة تتعلق بالصراع مع حزب الله، ما يعكس انخراطه في مسارات المواجهة الإقليمية.

ملف القاصر

يبقى أبرز عناصر الجدل في مسيرته مرتبطًا بقضية تشغيل قاصر في نشاط ذي طابع استخباري، وهي القضية التي أثارت اعتراضات داخلية قوية.

ووفق تقارير إعلامية، تم تجنيد شاب قاصر لاستخدامه في مهام تتعلق بالتأثير الإعلامي ونشر مواد حساسة، وهو ما اعتُبر تجاوزًا خطيرًا للمعايير المهنية.

وقد وصف رئيس الموساد الحالي ديفيد برنيع هذه الواقعة بأنها إساءة استخدام للسلطة، بينما اعتبرها آشر غرونيس خللًا أخلاقيًا جسيمًا.

اعتراضات مؤسسية

إلى جانب هذا الملف، يواجه غوفمان انتقادات تتعلق بعدم انتمائه التقليدي إلى جهاز الموساد، إذ يأتي من خلفية عسكرية بحتة.

ويرى معارضون أن هذا النقص في الخبرة الاستخباراتية قد يؤثر على قدرته في إدارة جهاز يعتمد بشكل أساسي على العمل السري الخارجي.

كما أن قربه من نتنياهو يثير مخاوف من تسييس الجهاز، في وقت تشهد فيه إسرائيل توترات داخلية حول استقلالية المؤسسات الأمنية.

في المقابل، يحظى غوفمان بدعم من قيادات عسكرية وسياسية ترى فيه قائدًا ميدانيًا ذا خبرة واسعة في إدارة العمليات.

ووصفه رئيس الأركان إيال زامير بأنه ضابط متميز يمتلك سجلًا عسكريًا قويًا يؤهله لقيادة الموساد في مرحلة حساسة.

تعيين مثير للجدل

جاء تعيينه رسميًا بعد موافقة اللجنة المختصة، رغم اعتراضات داخلها، ليوقع نتنياهو قرار تعيينه بسرعة، في خطوة اعتبرها مراقبون ذات أبعاد سياسية واضحة، ومن المقرر أن يتولى مهامه في يونيو 2026 لمدة خمس سنوات، خلفًا لـديفيد برنيع.