وسط الحروب والقصف والهدم، وبينما يحبس العالم أنفاسه خوفاً من تدهور الأمور إلى أكبر من ذلك وتشتعل المنطقة كلها كان هناك من يعمل في صمت وبدون ضجيج وشعارات من أجل إطفاء النار وإيقاف القتل والهدم والقصف، ومن يسعى إلى السلام والاستقرار الإقليمي والإعمار بدلاً من الحرب والخراب.

كانت مصر تواصل بإصرار وحكمة وحنكة جهودها في المنطقة والعالم، تخاطب الأطراف المختلفة وتخلق مساحات مشتركة للتفاهم من أجل اتخاذ القرار المناسب في أسرع وقت بإيقاف ماكينة الحرب والقتل.

مصر تدرك حجمها وطبيعة دورها الذي يجب أن تقوم به كدولة كبرى بيدها مفاتيح الاستقرار الإقليمي، ولهذا فعلت ما يجب عليها فعله كدولة قائد لها ثقل، وونجحت بعد جهود مضنية في الوصول إلى اتفاق بوقف إطلاق النار بعد أسابيع من الحرب وقبل وقت قصير من الوصول إلى ذروة المواجهة.

وبينما تكتب مصر تاريخاً جديداً من العمل الدبلوماسي وفصلا مهما في تاريخ الشرق الأوسط والمنطقة تدرك حدود أمنها القومي وكيف تحميه وتزود عنه، لا تستدرج إلى معارك  تافهة ولا تلتفت لمن يهاجمونها من إطار مصالحهم وترتيباتهم المشبوهة.

وفي خضم سباق الوسطاء مع الزمن للتوصل إلى إعلان وقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية نجحت الجهود المصرية بالتنسيق مع باكستان وتركيا في التوصل إلى وقف للعمليات العسكرية لمدة أسبوعين، في خطوة تمثل بارقة أمل داخل مشهد إقليمي بالغ التعقيد. 

جاء ذلك نتيجة للاتصالات المكثفة التي أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرًا، وتكليفه لوزير الخارجية بدر عبد العاطي بإجراء سلسلة من الاتصالات الدبلوماسية لدعم جهود التهدئة. 

والزيارات التي قام بها الرئيس ووزير الخارجية إلى دول الخليج، رغم الظروف الأمنية الدقيقة والمخاطر المرتبطة بتصاعد وتيرة القصف في المنطقة، والتأكيد على تمسك مصر بخيار الحلول السياسية والدبلوماسية كمسار رئيسي لتفادي اتساع رقعة الصراع أو انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، وهو ما حظي بتقدير واسع من قادة أوروبا والعالم العربي.

ولهذا وجب علينا أن نوجه تحية شكر وتقدير إلى الرئيس السيسي والجهات المعنية بإدارة هذا الملف الهام والخطير سواء كانت وزارة الخارجية ورجالها الذين قدموا نموذجاً للعمل الدبلوماسي الكفء، أو مسؤولين آخرين عملوا في صمت، وبذلوا كل جهد حتى استطاعوا بحنكة ودراية أن يصلوا إلى وقف إطلاق النار.