​بينما تتصاعد وتيرة التصريحات القادمة من واشنطن حول سلام قريب وشيك مع طهران، يبدو أن كواليس المشهد السياسي تخفي صراعاً من نوع آخر؛ صراعاً لا يقتصر على بنود الاتفاق، بل يكسر الدورة التقليدية التي يرى الجانب الإيراني أن الإدارة الأمريكية وسلطات الاحتلال يجيدان اللعب على أوتارها: التفاوض، ثم الحرب، ثم وقف إطلاق النار والعودة من جديد.

لا للحلول المؤقتة

​وضعت الخارجية الإيرانية حداً للتكهنات حول القبول بأنصاف الحلول، وبلهجة حاسمة، أعلن “سعيد خطيب زاده”- نائب وزير الخارجية الإيراني- رفض بلاده القاطع لأي صيغ مؤقتة، مؤكداً أن طهران لن تسمح للعدو بتكرار ما وصفه بدورة التفاوض والحرب.

​هذا الموقف الإيراني يقرأ المشهد على أنه محاولة لاستدراج المنطقة إلى تهدئة هشة تمنح الاحتلال فرصة لالتقاط الأنفاس، قبل العودة مجدداً إلى لغة السلاح، وهي اللعبة التي يرى الإيرانيون أنها استُهلكت ولم تعد قابلة للتطبيق في ظل المتغيرات الميدانية الراهنة.

​عصا "ترامب" وجزرته

يرسم الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب”- في المقابل- مشهداً مغايراً تماماً عبر تصريحاته لشبكة إن بي سي، حيث استخدم إستراتيجيته المعهودة في الضغط والاحتواء، عبر:

​لي الذراع: حيث يزعم “ترامب” أن الإيرانيين "سُحقوا" ولم يعد لديهم جيش، ملوحاً بأن عدم التوصل لاتفاق سيكون "مؤلماً لهم للغاية"، وهو ما يعكس محاولة لفرض شروط التفاوض من موقف "القوة المفترضة".

​التشكيك في الخطاب المعلن: في محاولة لزعزعة التماسك الداخلي، ادعى الرئيس الأمريكي أن قادة إيران يتحدثون في الغرف المغلقة بلغة أكثر عقلانية وتوافقية عما يظهرونه للصحافة.

​تهدئة الجبهات: ربط سيد البيت الأبيض بين هذا المسار وبين تقليص العمليات الإسرائيلية في لبنان، مشيراً إلى تنسيقه مع رئيس وزراء الاحتلال “بنيامين نتنياهو” للتعامل مع الأمر "بهدوء"، في إشارة واضحة لرغبة واشنطن في إغلاق الملفات المشتعلة وفق رؤيتها الخاصة.

​لعبة التفاوض

​يبرز محور الصراع الحقيقي في التخوف من أن يكون التفاوض مجرد تكتيك لإدارة الوقت، وليس إستراتيجية لإحلال السلام؛ فالاحتلال، مدعوماً بالغطاء الأمريكي، يسعى دائماً لجعل وقف إطلاق النار محطة انتقالية لإعادة التموضع، وهو ما تصفه طهران بالدورة الخبيثة التي يجب كسرها بحل دائم ينهي احتمالات العودة للمربع الصفر.

​بين تفاؤل "ترامب" المشروط بالتهديد، وإصرار إيران على رفض الحلول الترقيعية، تبقى المنطقة أمام فوهة بركان؛ فإما اتفاق شامل ينهي لعبة الدوائر المفرغة، أو استمرار في سياسة حافة الهاوية التي يبدو أن واشنطن وتل أبيب تراهنان عليها لفرض واقع جديد.