مع انقضاء يومين من شهر الصيام، يتجدد الشوق في قلوب المسلمين لاستقبال اليوم الثالث من رمضان بروح مختلفة، يغلب عليها الرجاء، ويظللها الخشوع، ويقودها الأمل في أن يكون هذا اليوم خطوة جديدة على طريق التوبة والإصلاح.
وفي كل عام، يتزايد البحث عن أدعية مخصوصة بكل يوم من أيام الشهر المبارك، باعتبارها محطة روحية يتزود فيها المؤمن بما يعينه على الثبات، ويعينه على مجاهدة النفس، ويقربه أكثر من رحمة الله ومغفرته.
لماذا يحرص المسلمون على دعاء اليوم الثالث من رمضان؟ مع دخول اليوم الثالث، يكون الصائم قد بدأ يتأقلم مع أجواء الشهر الكريم، وتبدأ ملامح التغيير في الظهور؛ انتظام في الصلاة، إقبال على القرآن، صدقات خفية، وحرص على صلة الأرحام وهنا تتعاظم الحاجة إلى دعاء يجمع بين إصلاح الداخل، وتيسير الخارج، وبين صلاح القلب، واستقامة الطريق.
ويؤكد علماء الشريعة أن تخصيص كل يوم بدعاء معين ليس فرضًا ولا سنة ثابتة بنص مخصوص، لكنه من باب تنظيم العبادة واستثمار الوقت في الدعاء المشروع، ما دام الدعاء في ذاته صحيح المعنى، سليم المقصد، موافقًا لروح الشريعة. اللهم سخر لي جميع خلقك دعاء بتليين القلوب وتيسير الأمور من أبرز الأدعية التي يرددها المسلمون في اليوم الثالث من رمضان: اللهم سخر لي جميع خلقك كما سخرت البحر لسيدنا موسى عليه السلام، وألن لي قلوبهم كما ألنت الحديد لداود عليه السلام، فإنهم لا ينطقون إلا بإذنك، نواصيهم في قبضتك، وقلوبهم في يدك تصرفها كيف شئت هذا الدعاء يحمل في طياته معاني عميقة من اليقين في قدرة الله المطلقة على تسخير الكون لعباده الصالحين فالتذكير بتسخير البحر لموسى عليه السلام، إشارة إلى أن المستحيل في نظر البشر ممكن بأمر الله، وأن العوائق مهما عظمت يمكن أن تزول بلحظة توكل صادق. كما أن استحضار معجزة تليين الحديد لداود عليه السلام يرمز إلى تليين القلوب القاسية، وتحويل العداوة إلى مودة، والخصومة إلى صفح، وهو مطلب إنساني يتكرر في حياة كل فرد، سواء في العمل أو الأسرة أو المجتمع. ويؤكد هذا الدعاء أن القلوب بيد الله، وأن النفوس لا تتحرك إلا بإذنه، فيغرس في قلب الداعي شعورًا بالاطمئنان، ويحرره من التعلق المفرط بالبشر، ويوجهه إلى الاعتماد على رب البشر. ومن الأدعية الجامعة التي تتردد في هذا اليوم: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا هذا الدعاء يعد من الكنوز النبوية الجامعة، إذ يربط بين ثلاثة أركان أساسية في حياة المؤمن: 1. الخشية: وهي الحاجز الداخلي الذي يمنع الإنسان من الوقوع في المعصية. 2. الطاعة: وهي الوسيلة العملية لنيل رضا الله ودخول الجنة. 3. اليقين: وهو السند النفسي الذي يخفف آلام الدنيا ومصائبها.
ويستمر الدعاء في طلب السلامة في الدين، وعدم جعل الدنيا أكبر الهم، وعدم تسليط الظالمين، وهي مطالب تعكس وعيًا عميقًا بأن الخطر الحقيقي ليس في فقد المال أو الصحة، بل في انكسار الإيمان أو ضعف الصلة بالله. "اللهم اهدنا فيمن هديت".. طلب الهداية والعافية والبركة في سياق الدعاء بالهداية والاستقامة، يردد كثيرون: اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت هذا الدعاء يعكس حاجة الإنسان الدائمة إلى ثلاثة أمور لا غنى عنها: الهداية: لتثبيت القدم على الطريق المستقيم. العافية: في الدين والبدن، لأن الابتلاء قد يكون في القلب قبل الجسد. البركة: في العمر والرزق والعمل. ويختم الدعاء بالتأكيد على أن العزة بيد الله وحده، وأن من والاه الله لا يذل، ومن عاداه لا يعز، فيرسّخ معنى التوكل، ويقطع أسباب التعلق بغير الله. ومن الأدعية التي تحمل رؤية متكاملة لحياة الإنسان: اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا هذا الدعاء يرسم خريطة متوازنة لحياة المؤمن؛ فالدين هو الأساس الذي يحفظ الهوية، والدنيا هي ساحة العمل والاختبار، والآخرة هي المصير المحتوم.
ويأتي طلب أن تكون الحياة زيادة في الخير، والموت راحة من الشر، تعبيرًا عن فهم عميق لمعنى الحياة؛ فهي ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لعمل الخير، فإن خلت من ذلك فقدت معناها.
ومن الأدعية الجامعة في اليوم الثالث من رمضان: اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين هذا الدعاء يلخص رسالة الشهر الكريم في كلمات معدودة: عمل صالح، ابتعاد عن المعصية، رحمة بالمحتاجين، وحب يقرب إلى الله.
كما يتضمن الدعاء طلب النجاة من الفتن، وهي من أعظم ما يخشاه المؤمن في زمن تتزاحم فيه الشبهات والشهوات، فيؤكد الداعي رغبته في أن يلقى الله سليم القلب، بعيدًا عن مواطن الانحراف.
الاستغفار والتوبة.. مفتاح الفرج في اليوم الثالث لا يكتمل يوم رمضاني دون استغفار صادق: نستغفرك اللهم من جميع الذنوب والخطايا ونتوب إليك. فالاستغفار هو باب الرحمة المفتوح، وهو إعلان اعتراف بالخطأ، ورغبة في التصحيح، وإصرار على بداية جديدة ويؤكد العلماء أن كثرة الاستغفار في رمضان سبب لمحو الذنوب، ورفع الدرجات، وتفريج الكروب. دعاء قصير بمعانٍ عظيمة.. صيام، قيام، وذكر دائم ومن الأدعية القصيرة التي يحرص البعض على ترديدها: اللهم أعني فيه على صيامه وقيامه، وجنبني فيه من هفواته وآثامه، وارزقني فيه ذكرك بدوامه