أكد الدكتور محسن البطران، رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ، أن ملف حماية الأراضي الزراعية بات في صدارة أولويات الأمن القومي، في ظل ما تتعرض له الرقعة الزراعية من ضغوط متزايدة، سواء بسبب التعديات المستمرة أو محدودية الموارد الطبيعية، مشددًا على أن التعامل مع هذا الملف يجب أن ينتقل من الحلول التقليدية إلى إجراءات أكثر حسمًا وردعًا.
وأوضح البطران، في بيان له اليوم، أن الأراضي الزراعية القديمة، والتي تُقدّر بنحو 6 ملايين فدان، ما زالت تواجه معدلات سنوية من التعدي والتبوير وتغيير النشاط الزراعي، وهو ما أدى إلى تآكل مستمر في نصيب الفرد من الأرض الزراعية على مدار العقود الماضية، في ظل الزيادة السكانية المتلاحقة.
وأشار إلى أن نصيب الفرد من الأراضي الزراعية شهد تراجعًا ملحوظًا، بعد أن كان يقترب من ألف متر مربع في ستينيات القرن الماضي، ثم انخفض إلى نحو 400 متر مربع في عام 2009، قبل أن يتراجع إلى 280 مترًا مربعًا في عام 2014، مؤكدًا أن التوسع الذي نفذته الدولة في استصلاح الأراضي أسهم في الحد من هذا التراجع، ومنع الوصول إلى مستويات أكثر خطورة خلال السنوات المقبلة.
وشدد رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ على أن حماية الرقعة الزراعية تمثل قضية وجودية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مخالفة إدارية، مطالبًا بتشريعات أكثر صرامة تتجاوز منطق الغرامات التقليدية، مع إعادة النظر في توصيف جريمة التعدي على الأرض الزراعية بما يعكس خطورتها على مستقبل الدولة ومواردها.
ولفت إلى أن من أبرز الأزمات الهيكلية التي تواجه الزراعة المصرية، تفتت الحيازات الزراعية داخل الوادي والدلتا، حيث إن النسبة الأكبر من الملاك تمتلك مساحات صغيرة للغاية، وهو ما يضعف فرص تطبيق الميكنة الحديثة والتكنولوجيا الزراعية المتطورة، كما يحد من كفاءة التسويق والإنتاج، خاصة في ظل غياب الدور الفاعل للتعاونيات الزراعية في تجميع الحيازات ودعم صغار المزارعين.
وأضاف أن القطاع الزراعي يواجه في الوقت نفسه تحديات طبيعية وضاغطة، في مقدمتها محدودية الأراضي القابلة للزراعة، موضحًا أن المساحة الزراعية خلال عامي 2026/2027 تُقدّر بنحو 10.6 مليون فدان، في حين تصل المساحة المحصولية إلى نحو 17 مليون فدان، بما يعكس استمرار الضغط على الموارد المتاحة، رغم التوسع الأفقي الذي تنفذه الدولة في مشروعات الاستصلاح الجديدة.
وأوضح البطران أن المياه تمثل التحدي الأخطر أمام مستقبل الزراعة في مصر، في ظل محدودية الموارد المائية المتجددة، والتي تُقدّر بنحو 65.35 مليار متر مكعب سنويًا، تشمل الحصة المائية من نهر النيل، ومياه الأمطار، والتحلية، إلى جانب المياه الجوفية، مؤكدًا أن الفجوة بين الموارد والاحتياجات الفعلية تفرض ضرورة تعظيم كفاءة الاستخدام وتبني سياسات أكثر مرونة واستدامة.
وأشار إلى أن الدولة تبذل جهودًا كبيرة في هذا الإطار، من خلال إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والتوسع في مشروعات المعالجة، بما يسهم في تقليل الضغط على الموارد التقليدية، لافتًا إلى أن نصيب الفرد من المياه انخفض إلى أقل من 480 مترًا مكعبًا سنويًا خلال 2024/2025، وهو ما يضع مصر في نطاق الشح المائي، ويؤكد الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة لكل قطرة مياه.
وأكد أن الزراعة لا تزال من أكثر القطاعات استهلاكًا للمياه، وهو ما يجعل من تطوير نظم الري، والتوسع في المعالجة، وتحسين إدارة الموارد المائية، عناصر حاسمة في دعم هذا القطاع الحيوي، مشيرًا إلى أن الدولة اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى إنشاء عدد من المشروعات القومية الكبرى في هذا المجال.
وأوضح أن هذه الجهود تشمل محطات معالجة عملاقة، من بينها محطة الدلتا الجديدة التابعة لجهاز مستقبل مصر، والتي تستهدف دعم استصلاح ملايين الأفدنة في الصحراء الغربية، إلى جانب محطة بحر البقر، التي تمثل أحد أهم مشروعات إعادة استخدام المياه لخدمة خطط التنمية الزراعية والعمرانية في سيناء.
وأضاف البطران أن التحديات التي تواجه الزراعة المصرية لا تقتصر فقط على الأرض والمياه، بل تمتد أيضًا إلى عدد من المشكلات المتراكمة، من بينها عدم استقرار السياسات السعرية، وصعوبات التمويل، وضعف آليات الزراعة التعاقدية، وتراجع دور البحث العلمي والإرشاد الزراعي، فضلًا عن الحاجة إلى بيئة أكثر جذبًا للاستثمار الخاص في هذا القطاع.
وأشار كذلك إلى وجود تحديات تتعلق بضعف أداء بعض التعاونيات الزراعية، وعدم مواكبة بعض التشريعات للتغيرات الحديثة، فضلًا عن غياب قاعدة بيانات زراعية دقيقة ومحدثة يمكن البناء عليها في صنع القرار، إلى جانب معوقات تتصل بتنمية الثروة الحيوانية والداجنة والسمكية، وتوفير مستلزمات الإنتاج بالكفاءة المطلوبة.
وشدد رئيس لجنة الزراعة والري على أن ما تشهده المنطقة من اضطرابات وصراعات، إلى جانب التقلبات الاقتصادية العالمية، يفرض على الدولة تبني رؤية زراعية متكاملة تقوم على تعظيم الاستفادة من الموارد المحدودة، وتحقيق أعلى عائد ممكن من وحدة الأرض والمياه، بما يضمن تعزيز قدرة مصر على تأمين احتياجاتها الغذائية.
وأكد أن هذه الرؤية يجب أن تستند إلى محورين أساسيين، أولهما التوسع في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية أفقيًا ورأسيًا، وثانيهما الاستفادة من المزايا النسبية التي تمتلكها مصر في عدد من المحاصيل ذات القدرة التنافسية عالميًا، بما يسهم في زيادة الصادرات الزراعية، وتوفير النقد الأجنبي، إلى جانب دعم التصنيع الغذائي وتعظيم القيمة المضافة.
واختتم الدكتور محسن البطران تصريحاته بالتأكيد على أن تحقيق الأمن الغذائي وزيادة نسب الاكتفاء الذاتي لن يتحققا إلا من خلال إدارة اقتصادية رشيدة للموارد الطبيعية، وإعادة ترتيب الأولويات داخل القطاع الزراعي، بما يضمن حماية الأرض والمياه، ورفع كفاءة الإنتاج، ومواكبة التحديات الحالية والمستقبلية.