في سجلّ الأيام التي حفرت أسماءها بعمق في ذاكرة التاريخ الإسلامي، يبرز الثالث من شهر رمضان كواحد من التواريخ التي تداخلت فيها السياسة بالعقيدة، والصراع بالاجتهاد، والمقاومة بإعادة تشكّل موازين القوى. ففي مثل هذا اليوم، شهدت الأمة الإسلامية محطات مفصلية امتدت من دمشق عاصمة الأمويين، إلى ميادين صفّين، ثم إلى بغداد العباسية، وصولًا إلى قلب إفريقيا حيث ارتفعت رايات الجهاد في مواجهة الاستعمار. 

في الثالث من رمضان سنة 65هـ، الموافق 14 نوفمبر 683م، طُويت صفحة من صفحات التحول السياسي بوفاة مروان بن الحكم في دمشق، بعد فترة حكم قصيرة نسبيًا، لكنها مثّلت نقطة ارتكاز في إعادة بناء السلطة الأموية. صعود وسط العاصفة جاء مروان إلى الحكم في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ الدولة الأموية فبعد وفاة يزيد بن معاوية، تراجعت قبضة الأمويين على عدد من الأقاليم، وظهرت حركات معارضة في الحجاز والعراق، بينما كانت الشام تمثل القاعدة الأهم المتبقية لسلطتهم. 

وسط هذا المشهد المضطرب، استطاع مروان أن يجمع شتات البيت الأموي، وأن يعيد ترتيب صفوف أنصاره، مستندًا إلى خبرته السياسية الطويلة ومكانته داخل الأسرة الحاكمة وقد شكّل وصوله إلى سدة الحكم بداية ما يُعرف تاريخيًا بالدولة الأموية الثانية، في مقابل المرحلة الأولى التي انتهت بوفاة يزيد وما أعقبها من اضطرابات. تثبيت الأركان وبناء الأساس لم يمتد حكم مروان طويلًا، لكنه كان حاسمًا فقد ركّز على تثبيت السلطة في الشام، وإعادة فرض هيبة الدولة، ووضع الأسس التي مكّنت خلفه من استكمال المشروع الأموي. وتشير مصادر تاريخية إلى أنه أولى اهتمامًا بالجوانب الإدارية، ومن بينها ضبط المكاييل والأوزان، في محاولة لإعادة الانضباط للأسواق والمعاملات التجارية، بما يعكس إدراكًا لأهمية الاستقرار الاقتصادي في ترسيخ الحكم السياسي. انتقال السلطة إلى عبد الملك بوفاته، انتقلت الخلافة إلى ابنه عبد الملك بن مروان، الذي سيصبح لاحقًا أحد أبرز خلفاء بني أمية، ويقود مرحلة إعادة توحيد الدولة، ويضع بصمته في تعريب الدواوين وضرب العملة الإسلامية.

 وهكذا مثّل عهد مروان حلقة انتقالية بين الانكسار وإعادة البناء. رابح بن الزبير.. مملكة إفريقية في مواجهة المدافع الفرنسية بعد قرون من تلك التحولات الأموية، شهد الثالث من رمضان سنة 1307هـ، الموافق 22 أبريل 1890م، سقوط أحد أبرز قادة المقاومة الإسلامية في إفريقيا، وهو الأمير رابح بن الزبير، الذي استشهد في مواجهة مباشرة مع القوات الفرنسية. مشروع سياسي في قلب بحيرة تشاد أسّس رابح بن الزبير كيانًا سياسيًا إسلاميًا في منطقة بحيرة تشاد، واتخذ من مدينة ديكوا عاصمة لحكمه وتمكن خلال سنوات قليلة من بناء دولة ذات تنظيم عسكري صارم وإدارة مركزية، مستفيدًا من خبرته القتالية وتحالفاته الإقليمية.

 لم يكن مشروعه مجرد سيطرة عسكرية، بل سعى إلى إقامة نظام حكم منظم يستند إلى المرجعية الإسلامية، ويعتمد على الانضباط والهيكلة الإدارية في إدارة شؤون الرعية. المواجهة مع التوسع الاستعماري في أواخر القرن التاسع عشر، كانت القوى الأوروبية تتسابق للسيطرة على إفريقيا فيما عُرف بـ"التدافع الاستعماري" ومع تمدد النفوذ الفرنسي في غرب ووسط القارة، أصبحت مملكة رابح هدفًا مباشرًا. 

دارت معارك ضارية بين قواته والجيوش الفرنسية المدعومة بتفوق تسليحي واضح. ورغم المقاومة الشرسة، تمكنت القوات الفرنسية من اقتحام العاصمة ديكوا، ليسقط رابح في ساحة القتال، مسطرًا نهاية دامية لمشروعه السياسي. رمز للمقاومة في الذاكرة الإفريقية لم يكن استشهاده مجرد هزيمة عسكرية، بل تحوّل إلى رمز للصمود في وجه الاستعمار.

 وبقي اسمه حاضرًا في الذاكرة الشعبية الإفريقية باعتباره أحد القادة الذين حاولوا الوقوف في وجه المدّ الأوروبي، دفاعًا عن الأرض والهوية. في الثالث من رمضان سنة 37هـ، الموافق 11 فبراير 658م، انعقد التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، في أعقاب معركة صفّين، التي جاءت امتدادًا لتداعيات مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه. من الجمل إلى صفّين.. تصاعد الأزمة بدأت الفتنة الكبرى بمعركة الجمل، ثم انتقلت إلى مواجهة مباشرة بين جيش علي، الخليفة الرابع، وجيش معاوية، والي الشام آنذاك، في صفّين. 

ومع احتدام القتال، وارتفاع المصاحف على أسنّة الرماح، قُدّم خيار التحكيم باعتباره مخرجًا لوقف نزيف الدم. وافق علي على التحكيم استجابة لضغوط داخل جيشه، في حين قبله معاوية باعتباره فرصة سياسية لإعادة صياغة ميزان القوى. نتائج عميقة وانقسامات جديدة لم ينهِ التحكيم الخلاف، بل فتح بابًا لانقسام جديد، إذ خرجت فئة من جيش علي رافضة مبدأ التحكيم، واعتبرت القبول به خروجًا عن مقتضى الحسم العسكري، لتظهر لاحقًا جماعة الخوارج.

 كما أسهمت التطورات اللاحقة في تعزيز موقع معاوية السياسي، خاصة بعد تثبيت نفوذه في الشام وامتداده إلى مصر. وظلت حادثة التحكيم واحدة من أكثر الوقائع إثارة للنقاش في التاريخ الإسلامي، نظرًا لتشابك أبعادها الدينية والسياسية، وتعدد القراءات حولها. جلال الدولة والبويهيون.. حين تغيّر ميزان القوة في بغداد في الثالث من رمضان سنة 418هـ، دخل جلال الدولة بغداد، في مشهد عكس تحولًا عميقًا في طبيعة السلطة داخل عاصمة الخلافة العباسية. صعود البويهيين كان البويهيون قد بسطوا نفوذهم تدريجيًا على مناطق واسعة من فارس والعراق. ومع دخول جلال الدولة إلى بغداد، خرج الخليفة العباسي القادر للقائه، في خطوة تعكس إدراكًا لتغير موازين القوة على الأرض. لم يكن الدخول مجرد تحرك عسكري، بل إعلانًا عن واقع سياسي جديد، حيث أصبحت السلطة التنفيذية بيد البويهيين، بينما احتفظ الخليفة بمكانته الرمزية والدينية.

 بين الخطبة والشرعية إقامة الخطبة باسم جلال الدولة حملت دلالة واضحة على انتقال السلطة الفعلية إليه. غير أن بقاء الخليفة في موقعه حافظ على الإطار الشرعي العام، ما خلق نوعًا من التوازن الهش بين السلطتين السياسية والدينية. وقد عكست تلك المرحلة طبيعة معقدة من التداخل بين النفوذ العسكري والشرعية الدينية، في واحدة من أبرز فترات التحول في التاريخ العباسي.

 الثالث من رمضان.. يوم تتشابك فيه مسارات الحكم والمقاومة من دمشق الأموية إلى بحيرة تشاد، ومن صفّين إلى بغداد، يبرز الثالث من رمضان كتاريخ تتقاطع فيه مسارات متعددة: صراع على السلطة، اجتهاد سياسي في زمن الفتنة، إعادة بناء دولة، ومقاومة استعمار.