تشهد الساحة السياسية والبرلمانية حراكًا متسارعا بشأن تعديل قانون الأحوال الشخصية، في ظل مطالب متزايدة بإجراء إصلاح تشريعي شامل يواكب التحولات الاجتماعية ويعالج الأزمات المتراكمة داخل الأسرة، وعلى رأسها قضايا الحضانة والرؤية والاستضافة وحقوق الأبوين بعد الطلاق.
وفي هذا الإطار، أعلن حزب العدل عن قرب الانتهاء من إعداد مشروع قانون متكامل للأحوال الشخصية، تمهيدًا لتقديمه إلى مجلس النواب، خلال شهر إبريل الجاري، في خطوة قد تمثل تحولًا مهمًا في تنظيم العلاقات الأسرية.
مصلحة الطفل في الصدارة
يرتكز مشروع القانون على مبدأ وضع مصلحة الطفل أولًا، من خلال تحقيق توازن بين حقوق الأب والأم، بما يضمن بيئة مستقرة نفسيًا واجتماعيًا للأطفال، خاصة في حالات الانفصال.
ويعالج المشروع عددًا من القضايا الخلافية، أبرزها سن الحضانة، وترتيب أحقية الحضانة، وآليات الرؤية والاستضافة.
الاستضافة بدلًا من الرؤية
من أبرز ملامح المشروع الاتجاه إلى استبدال نظام “الرؤية” الحالي بنظام الاستضافة المنظمة بما يسمح للطرف غير الحاضن غالبًا الأب، بقضاء وقت أطول وأكثر طبيعية مع أطفاله بدلًا من اللقاءات المحدودة.
وتشير الطروحات إلى أن نظام الرؤية الحالي الذي يقتصر على ساعتين أسبوعيا لا يحقق الهدف النفسي والاجتماعي المطلوب، مقارنة بأنظمة مطبقة في دول أخرى تتيح فترات أطول من التفاعل بين الطفل ووالديه.
تصريحات برلمانية: خلل قائم ومحاولات للإصلاح
في هذا السياق، أكدت فاطمة عادل، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، أن الحزب يستعد لتقديم مشروع القانون خلال الشهر الجاري، مشيرة إلى أن القانون الحالي يمثل “خللًا اجتماعيًا كبيرًا”، ويحتاج إلى معالجة شاملة.
وأوضحت أن أبرز نقاط الخلاف تتعلق بسن الحضانة، وترتيبها، وقضية الاستضافة، لافتة إلى أن مصر تُعد من الدول القليلة التي تطبق نظام الرؤية لساعتين فقط أسبوعيًا، مقارنة بدول عربية وأوروبية تتيح للأب فرصًا أوسع للتواصل مع أبنائه، كما ينتقد المشروع ترتيب الأب المتأخر في أحقية الحضانة.
تمكين الأب ودعم التوازن الأسري
يتضمن المشروع توجهًا نحو تمكين الأب، خاصة في حالات الترمل من رعاية أبنائه بشكل مباشر، دون تعقيدات قانونية بما يحقق مصلحة الطفل ويحافظ على استقرار الأسرة.
من جانبه، شدد النائب عمرو السعيد فهمي على أن سن الحضانة في القانون الحالي يؤثر على استقرار الأسرة، مشيرًا إلى أن امتداد الحضانة حتى 15 عامًا قد يؤدي إلى ابتعاد الطفل عن والده لفترات طويلة، وهو ما ينعكس سلبًا على حالته النفسية.
وأوضح أن حرمان الطفل من وجود والده يجعله “كأنه يتيم”، مؤكدًا ضرورة تطبيق نظام الاستضافة بما يحقق توازنًا حقيقيًا في العلاقة بين الأبناء ووالديهم.
انتقادات قانونية للنصوص الحالية
بدوره، انتقد عصام عجاج، المحامي، قانون الأحوال الشخصية الحالي، معتبرًا أنه يحتاج إلى إعادة صياغة كاملة، مشيرًا إلى وجود ثغرات تتعلق بتنفيذ أحكام الرؤية، والنفقة، وبعض الإجراءات القضائية، وما يترتب عليها من نزاعات مستمرة بين الأطراف.
حراك تشريعي وتحديات مرتقبة
يأتي هذا المشروع في ظل ترقب واسع داخل الأوساط السياسية، حيث من المتوقع أن يشهد البرلمان مناقشات موسعة، خاصة مع تباين وجهات النظر حول قضايا حساسة مثل سن الحضانة وحدود الاستضافة.
كما أن تمرير القانون يتطلب توافقًا برلمانيًا ومجتمعيًا، نظرًا لتأثيره المباشر على ملايين الأسر، فضلًا عن التحديات المرتبطة بآليات التطبيق وضمان الالتزام بالقواعد الجديدة.
نحو قانون أكثر عدالة
في المجمل، يعكس مشروع قانون الأحوال الشخصية توجهًا نحو إعادة صياغة العلاقات داخل الأسرة المصرية على أسس أكثر توازنًا، مع التركيز على مصلحة الطفل باعتبارها أولوية.
ومع اقتراب طرحه رسميًا، تبقى نتائج المناقشات البرلمانية هي الفيصل في تحديد ما إذا كان هذا المشروع سينجح في تحقيق التوازن المنشود، أم سيواجه نفس الجدل الذي صاحب محاولات الإصلاح السابقة.