في أحد أكثر مشاهد المسلسل الرمضاني "أصحاب الأرض" تأثيرًا، تقف الطبيبة المصرية عند معبر رفح، تحمل جهازًا طبيًا دقيقًا، ويستوقفها ضابط مصري قبل العبور.

تخبره بأن الجهاز سينقذ أطفالًا داخل غزة، فيتأمل حقيبتها لحظات، ثم يسمح لها بالمرور، في مشهد إنساني لاقى تفاعلًا واسعًا.

لكن بعيدًا عن الكاميرا والإضاءة والتمثيل، كان هناك طبيب مصري شاهد المشهد في 2026، فتجمّد للحظة.

لأن ما رآه على الشاشة، عاشه بالحرف قبل ثلاث سنوات.

إنه الدكتور محمد أحمد توفيق، استشاري جراحات الشبكية والجسم الزجاجي، الذي دخل قطاع غزة في مايو 2023، قبل إغلاق المعبر بأيام قليلة.

ويحكي: "كنت أحمل جهاز الشبكية، الجهاز الوحيد القادر على استخراج الشظايا من داخل العين وعلاج النزيف، وإنقاذ البصر".

وبين شاشة رمضان وذاكرة الحرب، تتلاقى الحكايتان عند نقطة واحدة، أن فعلًا صغيرًا عند معبر حدودي، قد يغيّر مصير عين وربما حياة كاملة.

عبور قبل الإغلاق

في حديثه لـ"اليوم" يتذكر طبيب العيون وشاهد العيان على حرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على المدنيين في قطاع غزة، حيث يروي أنه قبل اقتحام الجانب الفلسطيني من المعبر بسبعة أيام، كان يعبر إلى غزة.

ويتذكر أن الجانب المصري تعامل بمرونة إنسانية، رغم الإجراءات المشددة والقيود على المستلزمات الطبية.

ويستجلب الطبيب من ذاكرته العائدة من الحرب، قائلاً: "الضابط شاف الجهاز، كان ممكن يقول لي لا.. لكن بص عليه وقال لي اتفضل يا دكتور".

كما يضيف أن تلك اللحظة صنعت فارقًا، لأن الجهاز لم يكن متوافرًا لا في شمال القطاع ولا جنوبه آنذاك.

لم يكن الأمر مجرد قطعة معدات طبية، بل كان أداة تفصل بين فقدان عين وإنقاذ بصر طفل.

ذلك الجهاز مكّنه لاحقًا من إجراء عشرات العمليات المعقدة، بينها 33 عملية في 13 ساعة متواصلة.

محمد توفيق (مصر)، استشاري جراحات الشبكية الدكتور محمد توفيق أثناء تواجده في غزة مع أطفال مصابين

جهاز وحيد.. وأطفال كُثر

عندما اندلعت الحرب في أكتوبر 2023، أصبح الجهاز هو الوحيد في القطاع القادر على التعامل مع إصابات الشظايا داخل العين.

خلال أربعين يومًا فقط، أجرى 235 تدخلاً جراحيًا، في سباق مع الوقت لمنع فقدان البصر.

ويؤكد أن كثيرًا من الأطفال كانوا سيخسرون عيونهم بالكامل لولا توفر هذا الجهاز تحديدًا.

كما يشرح أن إصابات الشبكية والنزيف الداخلي تحتاج إلى تدخل فوري، وإلا تحول الأمل إلى ظلام دائم.

وعاد الطبيب مرة أخرى في أكتوبر، لكنه لم يعد عبر رفح، بل من طريق معبر كرم أبو سالم، والذي كان أكثر تعقيدًا وقسوة في الإجراءات.

ويقول إن الفرق في التعامل والقيود على المعدات كان صادمًا، وكأنه انتقال من مساحة إنسانية إلى مساحة شديدة التقييد.

حين تتقاطع الدراما والواقع

عندما شاهد مشهد الطبيبة في "أصحاب الأرض"، شعر أن الدراما لم تبالغ هذه المرة.

قال: "هو نفس اللي حصل معايا بالضبط.. نفس النظرة للجهاز، ونفس اللحظة اللي تفرق بين المنع والسماح".

لكن الفارق أن بطلة المسلسل كانت تؤدي دورًا مكتوبًا، بينما كان هو يحمل مسؤولية حقيقية أمام أطفال ينتظرون بصيص نور.

ويرى أن قيمة المشهد ليست في التأثر العاطفي فقط، بل في الرسالة التي يحملها.

ويختم حديثه قائلًا: "لو في إيدك حاجة تعملها، اعملها وسيب الباقي على ربنا.. أنت دكتور، صحفي، ممثل، مخرج.. كل واحد يقدر يقدم حاجة".

أصحاب الأرض

في سياق متصل، يُعد مسلسل أصحاب الأرض أحد أبرز الأعمال المصرية في موسم رمضان 2026، حيث يتناول الحرب على قطاع غزة من منظور إنساني درامي يركز على مصير المدنيين تحت القصف.

ويقوم ببطولة العمل كل من منة شلبي وإياد نصار، فيما يتولى الإخراج بيتر ميمي، وهو من إنتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، ويتكون من 15 حلقة.

وتدور الأحداث حول طبيبة مصرية تدخل غزة ضمن قافلة إغاثة عربية، لتجد نفسها في قلب المأساة الإنسانية، حيث تتقاطع قصتها المهنية مع قصة حب تنشأ وسط أجواء الحرب.

ويعرض المسلسل على قنوات DMC وDMC دراما وقناة الحياة، إضافة إلى منصة Watch It الرقمية، وسط متابعة جماهيرية واسعة ونقاشات متصاعدة حول أبعاده الإنسانية والسياسية.