في السنوات الأخيرة، لم يعد مشهد البلوجرز وصنّاع المحتوى مجرد ‏ظاهرة عابرة، بل أصبح واقعًا يوميًا نراه في كل شارع وكل محافظة. ‏
 

شباب وفتيات حديثو التخرج، لم يكد أحدهم يضع قدمه الأولى في سوق ‏العمل، حتى اختار طريقًا يبدو سهلًا وسريعًا: "هاتف محمول، كاميرا، ‏وبعض المتابعين.. ثم تبدأ الرحلة".‏

في البداية، قد يبدو الأمر طبيعيًا، إعلانات لمطاعم، محال، منتجات، ‏وخدمات، وهو نشاط لا يمكن إنكاره أو التقليل من أهميته في عالم ‏التسويق الحديث، رغم وجود تحفظات على بعض أساليبه، لكن الأزمة ‏الحقيقية لا تكمن هنا، بل فيما يأتي بعد ذلك.‏

مع تزايد عدد المتابعين، يتحول المعلن إلى مؤثر، ثم إلى صانع ‏محتوى، ثم فجأة إلى متحدث في كل شيء.‏
يتناول قضايا اجتماعية، يناقش موضوعات نفسية، يقدم نصائح في ‏العلاقات، يتحدث عن النجاح والفشل، بل وقد يتطرق أحيانًا إلى ‏موضوعات طبية أو تعليمية… دون أي خلفية علمية أو خبرة حقيقية.‏

وهنا يظهر الخلل بوضوح، فالمتابعون لا يرون الشهادة أو الخبرة… ‏بل يرون عدد المشاهدات.‏
والثقة لم تعد تُبنى على العلم… بل على الانتشار.‏

هذه الظاهرة خلقت حالة من "تضخم الصوت غير المؤهل"، حيث ‏أصبح من السهل أن يُسمع من لا يملك المعرفة، وأن يُتجاهل من قضى ‏سنوات في الدراسة والتخصص. ومع الوقت، تتحول الآراء غير ‏المدروسة إلى مفاهيم، والمفاهيم إلى قناعات لدى شريحة من الجمهور.‏

المشكلة ليست في السعي وراء الربح، ولا في استغلال فرص العصر ‏الرقمي، بل في غياب المسؤولية.‏
فالكلمة التي تُقال أمام آلاف أو ملايين المتابعين ليست مجرد رأي ‏عابر، بل قد تؤثر في قرارات، وتشكّل وعيًا، وتوجّه سلوكًا.‏

ما نشهده اليوم ليس مجرد "تريند"، بل مؤشر على تحول أعمق في ‏طريقة تلقي المعرفة داخل المجتمع. وإذا استمر هذا المسار دون وعي ‏أو ضبط، فقد نجد أنفسنا أمام جيل يتلقى معلوماته من مصادر غير ‏مؤهلة، ويُشكّل قناعاته بناءً على الشهرة لا على العلم.‏

لسنا ضد البلوجرز… لكننا ضد أن يتحول التأثير إلى سلطة بلا ‏مسؤولية، وضد أن يصبح عدد المتابعين بديلًا عن التخصص، وضد ‏أن تختلط المعرفة بالادعاء.‏