في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، عقب حادث إسقاط طائرة مقاتلة أمريكية وما حمله من دلالات على اتساع رقعة العمليات، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الصراع وحدوده ومساراته المحتملة. فهل لا تزال المواجهة محكومة بقواعد الاشتباك، أم أنها تقترب من مرحلة أكثر خطورة؟ 

في هذا السياق، أجرى موقع "اليوم" حوارًا مع اللواء محمد عبدالواحد، مستشار الأمن القومي وخبير العلاقات الدولية، لقراءة توازنات القوة، وفهم آليات الحرب غير المتماثلة، وتحليل أهمية الجبهات البحرية، خاصة باب المندب، بالإضافة إلى سيناريوهات التصعيد خلال المرحلة المقبلة.

• بدايةً، كيف تعيدون توصيف طبيعة الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإيران بعد حادث إسقاط الطائرة؟ هل لا يزال في إطار “الردع المتبادل”، أم أنه دخل بالفعل مرحلة “كسر الإرادات”؟

يرى اللواء محمد عبدالواحد أن "الصراع ما زال صراع استنزاف بين الطرفين، وهو حرب غير متماثلة تديرها إيران"، موضحًا أنها "ترفض تمامًا الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل".

ويضيف أن إيران تدرك أنها "لا تحارب الولايات المتحدة وإسرائيل فقط، ولكن تحارب دولًا أخرى متحالفة مع الولايات المتحدة، حتى لو لم تشارك عسكريًا بشكل مباشر، لكنها تقدم دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا".

ويؤكد أن الحرب "ما زالت تخضع لقواعد اشتباك وخطوط حمراء"، مشيرًا إلى أن "الولايات المتحدة وإسرائيل يتجاوزان هذه الخطوط أحيانًا لاختبار رد الفعل الإيراني، ومعرفة قدرة إيران على الرد بعد ضربات شديدة".

وبشأن إسقاط الطائرة، يوضح أنه "لا يغير من شكل الصراع في شيء"، معتبرًا أنه يأتي في "إطار الدفاع"، وأن "الحرب ما زالت كما هي، لكنها قد تكون أكثر عنفًا".

سفينة هجوم برمائي أمريكية تحمل قوة تدخل سريع تقترب من مضيق هرمز.. ما مهمتها المتوقعة؟ من شاشة الجزيرة

• إذا انتقلنا إلى ميزان القوة، كيف تقرأون توازنات القوة الحالية بين الطرفين، ليس فقط من حيث القدرات التقليدية، بل أيضًا في مجالات الحرب غير المتكافئة، مثل الوكلاء الإقليميين، والحرب السيبرانية، والسيطرة على المجال الجوي؟

يوضح اللواء عبدالواحد أن هناك "تفاوتًا كبيرًا جدًا في القوى العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى"، وهو ما يدفع طهران إلى "تعويض هذا الفارق من خلال إدارة حرب غير متماثلة".

ويشرح أن إيران تعتمد على "استنزاف الآخر"، سواء عبر "الضرب داخل العمق الإسرائيلي، وإرهاق الداخل نفسيًا"، أو من خلال "استراتيجية الإغراق باستخدام صواريخ ومسيرات رخيصة".

ويضيف أن هذه الاستراتيجية تقوم على أن "المسيرة التي تكلف 20 ألف دولار أو الصاروخ الذي يكلف 40 ألف دولار، يُواجه بصاروخ دفاعي قد يصل إلى 4 أو 8 ملايين دولار"، وهو ما يمثل "إغراقًا لميزانيات الدفاع الأمريكية والإسرائيلية".

كما يشير إلى أن من أدوات إيران أيضًا "توسيع دائرة الحرب جغرافيًا، خاصة نحو الخليج"، بما "يزيد الكلفة على الولايات المتحدة، ويخلق ضغطًا على حلفائها".

ويؤكد أن طهران "تدمج بين العسكري والاقتصادي والسياسي"، من خلال "الضغط على أسواق النفط، وضرب مراكز المال، بما يربك الاقتصاد العالمي ويضغط على الداخل الأمريكي".

خريطة توضح بحر العرب والدول المطلة عليه (الهند - باكستان - سلطنة عمان - الصومال- إيران) إضافة إلى توضيح خليج عدن ومضيق هرمز ومضيق باب المندب

• وفي ظل التهديدات المتبادلة بتوسيع الضربات، ما هي "نقاط الكسر الاستراتيجية" لدى كل طرف؟ وهل نحن أمام مرحلة قد تشهد استهدافًا ممنهجًا لمراكز الثقل الحيوية؟

يشرح اللواء أن "نقاط الكسر الاستراتيجية هي النقاط الحرجة التي تمثل خطوطًا حمراء”، موضحًا أن تجاوزها "قد يؤدي إلى دمار كبير للطرف الآخر".

ويشير إلى أن من هذه النقاط "ضرب الكثافة السكانية في إسرائيل، أو استهداف محطات الكهرباء والمياه أو المطارات بشكل كامل"، وكذلك "ضرب منشآت النفط الرئيسية في إيران".

ويؤكد أن "الحرب لم تدخل بعد عتبة الحرب الشاملة"، رغم أن "بعض هذه الأهداف تم الاقتراب منها دون الوصول الكامل إليها".

أما عن مراكز الثقل، فيرى أن التقدير الأمريكي كان خاطئًا، إذ اعتبر أن "القيادات السياسية والعسكرية هي مركز الثقل"، بينما الحقيقة أن "مراكز الثقل في إيران متعددة وليست مركزًا واحدًا".

ويضيف أن هذه المراكز تشمل "الأيديولوجيا المرتبطة بولاية الفقيه، والعقيدة، والكراهية للولايات المتحدة وإسرائيل"، إضافة إلى "الجغرافيا الصعبة، والبنية اللامركزية، والحلفاء".

• على مستوى الجغرافيا العسكرية، كيف غيّر دخول جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) إلى الصراع من خريطة الحرب، خاصة مع انتقالها من نطاق الخليج إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب؟

يرى اللواء أن دخول الحوثيين "لا يزال دخولًا رمزيًا حتى الآن، وليس مؤثرًا بشكل حاسم عسكريًا"، لكنه "يرفع الروح المعنوية لحلفاء إيران".

ويضيف أن هذا الدخول "يجعل إسرائيل في ارتباك"، كما يمنح إيران "ورقة ضغط إضافية، خاصة في باب المندب".

• وهل يمكن قراءة تحريك جبهة البحر الأحمر كجزء من استراتيجية "الضغط الأفقي" التي تعتمدها إيران، عبر تهديد الممرات البحرية العالمية بدلًا من المواجهة المباشرة؟

يؤكد أن ما يحدث يعكس بالفعل "استراتيجية الضغط الأفقي"، حيث تسعى إيران إلى "الضغط عبر الممرات البحرية بدلًا من المواجهة المباشرة".

ويشير إلى أن الهدف هو "رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة، وتهديد المصالح الاقتصادية العالمية، دون الدخول في صدام تقليدي شامل".

• في هذا الإطار، ما الأهمية العسكرية والاقتصادية لمضيق باب المندب، وكيف يمكن أن يؤثر تهديده أو تعطيله على توازنات الحرب ومسارات الإمداد الدولية؟

يشدد اللواء على أن "باب المندب ممر شديد الأهمية للتجارة العالمية"، موضحًا أن تهديده "يربك الاقتصاد العالمي، ويرفع أسعار النفط، ويؤثر على سلاسل الإمداد".

ويذهب إلى أن "مصالح الولايات المتحدة في باب المندب قد تكون أكبر من مصالحها في مضيق هرمز"، وهو ما يجعله "ورقة ضغط خطيرة".

Houthi security personnel ride on the back of a vehicle at the site of a rally to mark the al-Quds Day (Jerusalem Day), in Sanaa, Yemen, March 13, 2026. REUTERS/Khaled Abdullah

• وإذا افترضنا تحقق السيناريو الأخطر بإغلاق مضيقي هرمز وباب المندب معًا، كيف سينعكس ذلك على حركة الأساطيل الأمريكية، وأسواق الطاقة، وقدرة الأطراف على الاستمرار في الحرب؟

يصف اللواء هذا السيناريو بأنه "شديد الخطورة"، مؤكدًا أنه سيؤدي إلى "تعطيل أو تقييد حركة الأساطيل، وارتفاع كبير في أسعار النفط".

ويضيف أن ذلك سيخلق "ضغطًا اقتصاديًا عالميًا كبيرًا"، ويؤثر على "قدرة جميع الأطراف على الاستمرار في الحرب".

• أخيرًا، هل يمتلك الحوثيون القدرة على فرض معادلة ردع حقيقية في البحر الأحمر، أم أن دورهم سيظل في إطار الإزعاج التكتيكي ورفع كلفة العمليات دون إحداث تغيير حاسم في مسار الصراع؟

يرى الخبير الأمني أن الحوثيين "دورهم حتى الآن في إطار الإزعاج التكتيكي ورفع كلفة العمليات"، لكن لديهم "قدرة على تهديد الملاحة وضرب المصالح".

ويؤكد أن تأثيرهم "مؤثر نفسيًا واستراتيجيًا، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى الحسم العسكري".

• وفي ضوء كل ما سبق، ما السيناريوهات الأكثر ترجيحًا لمسار الحرب خلال المرحلة المقبلة، هل نحن أمام تصعيد محسوب، أم انزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة؟ وما العوامل الحاسمة التي قد تدفع نحو التهدئة أو الانفجار؟

يختتم اللواء محمد عبدالواحد بأن "السيناريو الأقرب هو استمرار حرب الاستنزاف مع تصعيد محسوب”، مع بقاء احتمال التوسع قائمًا.

كما يؤكد أن مسار الحرب سيتحدد وفق "مدى تجاوز الخطوط الحمراء، وطبيعة الأهداف التي يتم استهدافها، وحجم الضغوط الاقتصادية، وقدرة كل طرف على تحمل الاستنزاف".