في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تواصل مصر ترسيخ مكانتها كشريك تنموي فاعل في قارتنا الافريقية ودول الجنوب العالمي، عبر تبني نهج متكامل يقوم على الربط بين السياسة الخارجية وأهداف التنمية المستدامة. ويعكس هذا التوجه إيمان الدولة المصرية بأن الاستقرار والأمن يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالتنمية وبناء القدرات.

حوار خاص مع السفيرة نرمين الظواهري مساعد وزير الخارجية

تشهد العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول القارة الإفريقية تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغ حجم التبادل التجاري نحو 15 مليار دولار، مع توجه الدولة نحو زيادته عبر تعزيز التكامل الإقليمي، ودعم التجارة البينية، وتشجيع الاستثمارات المشتركة، خاصة في ظل تطبيق اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

وفي هذا الإطار، تلعب الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية دورًا محوريًا كأحد الأذرع الرئيسية للدبلوماسية التنموية المصرية، حيث تسهم في دعم الشراكات مع دول القارة الإفريقية ودول الجنوب العالمي. وفي الحوار التالي تكشف السفيرة نرمين الظواهري ملامح الرؤية المصرية وأولويات العمل خلال المرحلة المقبلة.

دبلوماسية التنمية في السياسة الخارجية المصرية

س: كيف تُعرّفون دبلوماسية التنمية في السياق المصري؟

ج: دبلوماسية التنمية في مصر تقوم على توظيف أدوات السياسة الخارجية لخدمة أهداف التنمية المستدامة، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي والدولي، خاصة في إفريقيا والعالم العربي.

وترتكز هذه الدبلوماسية على مفهوم الشراكة القائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مع التركيز على نقل الخبرات وبناء القدرات.

وتنطلق مصر من تجربتها الوطنية في تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي والتنمية الشاملة، وتسعى إلى مشاركة هذه الخبرات مع الدول الشقيقة والصديقة، بما يسهم في تحقيق الاستقرار والازدهار المشترك.

تأسيس الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية ودورها

س: كيف تأسست الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، وما دورها اليوم؟

ج: في عام 2014 اتخذت مصر خطوة مهمة عندما أعلن عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، خلال قمة مالابو 2014، إنشاء الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية لتكون الذراع التنموي لمصر في دعم دول القارة الإفريقية ودول الجنوب، من خلال تسخير الخبرات والمعرفة المصرية لخدمة جهود التنمية.

وتتركز أنشطة الوكالة بشكل أساسي على تنفيذ برامج بناء القدرات، وتقديم منح تدريبية ومساعدات فنية استجابةً للاحتياجات التنموية للدول الشريكة، بما يتسق مع أولويات السياسة الخارجية المصرية، وأهداف التعاون بين بلدان الجنوب، إضافة إلى رؤية مصر 2030 وأجندة إفريقيا 2063.

كما تعمل الوكالة على تنفيذ مشروعات تنموية ذات أثر مباشر في حياة المواطنين بالدول الإفريقية، مع التركيز على قطاعات حيوية مثل المياه والري والزراعة والطاقة والصحة، نظرًا لدورها المحوري في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، خاصة في دول حوض النيل والقرن الإفريقي.

ويأتي هذا التعاون تأكيدًا على التزام مصر بدعم الأشقاء في إفريقيا، ليس فقط عبر نقل الخبرات، بل من خلال بناء شراكات مستدامة قائمة على الاحترام المتبادل وتبادل المنافع، واحترام السيادة والملكية الوطنية، بما يسهم في تعزيز الأمن والتنمية لشعوب القارة.

كما يجري العمل حاليًا على تدشين آلية تمويلية استثمارية مبتكرة، تهدف إلى دعم المشروعات التنموية ومشروعات البنية التحتية في إفريقيا، عبر نموذج تمويلي مرن يجمع بين الأدوات التنموية والاستثمارية، بما يحقق الاستدامة المالية ويدعم المصالح الاستراتيجية للقارة.

المبادئ الأساسية التي توجه عمل الوكالة

س: ما المبادئ التي تقوم عليها شراكات الوكالة؟

ج: تقوم شراكات الوكالة على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها التنسيق الكامل مع الدول الشريكة بما يتوافق مع أولوياتها واحتياجاتها التنموية.

وتشمل البرامج التي تنفذها الوكالة دورات تدريبية متخصصة في مجالات مختلفة، سواء في القطاعات الاستراتيجية أو المجالات الأمنية والعسكرية، ويتم تنفيذها بالتعاون مع مراكز التميز المصرية التي تمتلك خبرات وكوادر متخصصة.

آليات تنفيذ برامج الوكالة

س: ما الآليات الرئيسية لتنفيذ برامج الوكالة؟

ج: تعتمد الوكالة على عدة آليات لتنفيذ برامجها، من بينها:

تنظيم دورات تدريبية متخصصة داخل مصر.

إيفاد خبراء مصريين لتقديم الدعم الفني في الدول الشريكة.

تقديم منح دراسية للطلاب والكوادر.

تنفيذ مشروعات مشتركة في القطاعات الحيوية.

إطلاق برامج تدريب عن بُعد ومنصات رقمية لتعزيز الوصول والاستدامة.

كما يتم تنفيذ هذه البرامج بالتنسيق مع مختلف الوزارات والمؤسسات المصرية، بهدف توظيف الخبرات الوطنية لخدمة الشركاء في الدول الإفريقية.

التعاون بين بلدان الجنوب والتعاون الثلاثي

س: كيف توازن الوكالة بين التعاون بين بلدان الجنوب والتعاون الثلاثي؟ وما آفاق الشراكات الدولية؟

ج: يمثل التعاون بين بلدان الجنوب الأساس الفلسفي لعمل الوكالة، حيث يقوم على تبادل الخبرات بين الدول التي تتشابه في التحديات والظروف التنموية.

وفي الوقت ذاته، تعمل الوكالة على تعزيز التعاون الثلاثي بالشراكة مع المنظمات الدولية والجهات المانحة، بما يسمح بتعظيم الاستفادة من الموارد والخبرات المتاحة. ويجمع هذا النموذج بين الخبرة المصرية واحتياجات الدولة الشريكة، إلى جانب الدعم الفني أو التمويلي من طرف ثالث، لتحقيق نتائج أكثر استدامة.

ونتطلع إلى توسيع نطاق الشراكات مع مؤسسات الأمم المتحدة والبنوك التنموية والوكالات الوطنية للتنمية، بما يدعم جهود تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

رسالة إلى شركاء مصر في الجنوب العالمي

س: ما الرسالة التي تودون توجيهها لشركاء مصر في الجنوب العالمي؟

ج: رسالتنا واضحة: مصر شريك موثوق وملتزم، يؤمن بأن التنمية مسؤولية مشتركة، وأن التعاون القائم على الاحترام المتبادل هو الطريق لتحقيق مستقبل أكثر توازنًا وعدالة.

نحن نمد أيدينا للتعاون، ونشارك خبراتنا بكل شفافية، ونتطلع إلى تعميق شراكاتنا بما يخدم تطلعات شعوبنا نحو النمو والاستقرار والازدهار المشترك.