في قلب صعيد مصر، وعلى أرض محافظة أسيوط، تقف واحدة من أقدم وأكبر دور رعاية الأيتام في البلاد، شاهدةً على أكثر من مئة عام من العطاء الإنساني، إنها مؤسسة ليليان تراشر، أول دار أيتام في مصر، التي أسستها سيدة أمريكية اختارت أن تترك وطنها وتعيش بين أبناء الصعيد لخدمة الأيتام والمشردين.
جاءت الوصايا السماوية جميعها لتؤكد على رعاية اليتيم وكفالته، وجعلت لذلك منزلة عظيمة، إلا أن ما فعلته هذه السيدة تجاوز حدود الكلمات، ليتحول إلى صرح إنساني متكامل ما زال قائمًا حتى اليوم.
من هي ليليان تراشر؟
تُعد ليليان هانت تراشر مؤسسة وأقدم دار أيتام في مصر. انتقلت من الولايات المتحدة إلى أسيوط مطلع القرن العشرين، وأسست الملجأ عام 1911، ليحمل اسمها تخليدًا لمسيرتها الإنسانية.
ومنذ نشأته، استقبل الملجأ الأطفال الأيتام من مختلف الأعمار، سواء من ذوي الإعاقة أو غيرهم، دون تمييز أو نظر إلى خلفياتهم، ليصبح بيتًا مفتوحًا لكل من فقد السند.
صرح إنساني على مساحة 12 فدانًا
تمتد مؤسسة ليليان تراشر على مساحة تُقدر بنحو 12 فدانًا، وتضم 14 مبنى متكاملًا، بينها مدرسة ابتدائية، ومبانٍ سكنية، ومقار إدارية، إلى جانب مساحات ترفيهية متنوعة.
كما تحتوي المؤسسة على ثلاثة ملاعب وثلاثة حمامات سباحة، ما يجعلها أقرب إلى مدينة صغيرة متكاملة توفر الرعاية والتعليم والأنشطة لأبنائها، في بيئة آمنة ومستقرة.
إنسانية صنعت لقب “أم النيل”
بدأت القصة عندما لم تُرزق ليليان بأطفال، فقررت أن تفتح قلبها وبيتها لخمسة عشر طفلًا كانوا بلا مأوى، يعيشون في الشوارع ويقتاتون من القمامة. تولت رعايتهم، وأحاطتهم بالتعليم والرعاية حتى أصبحوا رجالًا ونساءً فاعلين في المجتمع.
ومع مرور السنوات، اتسع نطاق عملها، وتوالت الألقاب التي أُطلقت عليها، مثل “أعظم امرأة في مصر”، و“أم الفقراء واليتامى”، و“قديسة أسيوط”، وكان اللقب الأشهر لها هو “أم النيل”، تقديرًا لعطائها الذي لم ينقطع.
أين يقع ملجأ ليليان تراشر؟
يقع الملجأ في مركز الفتح بمحافظة أسيوط، ويُعد أكثر من مجرد دار رعاية، إذ تحول إلى منارة للعلم والعمل الإنساني.
وقد شهدت المؤسسة توسعات كبيرة بأيدي أبنائها الذين تعلموا الحرف والصناعات اليدوية داخلها، فكانوا جزءًا من بنائها واستمرارها. وأصبح الملجأ يستقبل كل من يطرق بابه، دون تفرقة بسبب الدين أو النوع أو الشكل، ليجسد نموذجًا حيًا للتسامح والتعايش.
صمود في وجه الاحتلال والأوبئة
مرّت المؤسسة بفترات عصيبة، بدءًا من حقبة الاحتلال البريطاني، مرورًا بالثورات المتعاقبة، وصولًا إلى أوبئة خطيرة مثل الكوليرا والطاعون.
ورغم تلك التحديات، لم تغلق أبوابها يومًا، ولم تتخلَّ عن أبنائها أو المترددين عليها، إذ كانت مؤسستها قائمة على عهدٍ قطعته ليليان على نفسها: أن تستقبل كل من يطرق باب الملجأ في أي وقت.
وبين جدران هذا الصرح العريق، ما زالت حكاية امرأة أمريكية كتبت اسمها في تاريخ الصعيد بحروف من رحمة وإنسانية.