في مشهد يخطف الأنظار على الطريق الزراعي بمركز صدفا في محافظة أسيوط، تعلو أبراج الحمام أسطح منازل قرية مجريس كأنها قلاع صغيرة تحرس ذاكرة المكان، كمهنة عتيقة تناقلها الأبناء عن الآباء جيلاً بعد جيل، جمعت بين الفن المعماري ذي الجذور التاريخية والمردود الاقتصادي الذي ما زال يعيل عشرات الأسر، لتبقى أبراج الحمام علامة مميزة في سماء القرية ورمزًا حيًا لتراث صعيدي صمد أمام تغيرات الزمن.
جذور تاريخية وطابع معماري فرعوني
تعد قرية مجريس التابعة لمركز صدفا واحدة من القرى التي ما زالت تحتفظ بملامح تراثية مميزة، حيث اشتهرت بمهنة بناء أبراج الحمام، وهي حرفة قديمة توارثها الأهالي جيلاً بعد جيل.
وتستمد أبراج الحمام المصرية طابعها المعماري من روح العمارة القديمة، إذ تميل إلى الأشكال الهرمية التي تعكس تأثرها بفنون البناء لدى قدماء المصريين، فتبدو كصروح صغيرة تعلو المنازل وتمنحها طابعًا مميزًا.
مصدر دخل ومشروع اقتصادي مربح
يضم البرج الواحد في بعض الأحيان ما يقرب من ألف زوج من الحمام، وقد ينتج هذا العدد نحو 500 بيضة في الدورة الواحدة، ما يجعله مصدر دخل مهم للعديد من الأسر.
وتتنوع الاستفادة بين تربية الحمام بغرض البيع والتجارة، أو بناء الأبراج للغير مقابل أجر، في ظل الإقبال الكبير على إنشائها داخل القرية وخارجها.
كما يستفيد الأهالي من مخلفات الحمام في تسميد الأراضي الزراعية وجناين الفاكهة، ما يعزز القيمة الاقتصادية والبيئية لهذه المهنة التراثية.
مشهد بصري يميز الطريق الزراعي
وعند المرور بالطريق الزراعي الموازي لقرية مجريس، تبدو الأبراج شامخة أعلى أسطح المنازل، بأشكال وألوان وأحجام مختلفة، تضفي على المكان طابعًا جماليًا خاصًا، وتمتزج مع الحقول الزراعية لتشكل لوحة ريفية متكاملة تجذب أنظار المارة.
معتقدات شعبية وروايات متوارثة
لا تخلو المهنة من حكايات ومعتقدات شعبية، إذ يعتقد بعض أهالي القرية أن “الجان” قد يسكن أبراج الحمام، في روايات متداولة تعكس جانبًا من الثقافة الشعبية المرتبطة بهذه الأبراج.
الأهالي: مهنة ورثناها عن الآباء والأجداد
وقال جمال علي، أحد سكان القرية، إن مهنة بناء أبراج الحمام موروثة عن الآباء والأجداد منذ زمن طويل، مشيرًا إلى أن أغلب المنازل تحرص على إنشاء برج أعلى السطح، سواء للاستفادة من لحوم الحمام كمصدر غذاء، أو من مخلفاته في تسميد الأراضي الزراعية.
وتبقى أبراج الحمام في مجريس شاهدًا حيًا على مهنة أثرية حافظت على حضورها، لتظل رمزًا للهوية المعمارية والاقتصادية في ريف أسيوط.