تحل ذكرى نصر العاشر من رمضان، الموافق السادس من أكتوبر عام 1973، لتعيد إلى الأذهان واحدة من أعظم لحظات التحول في التاريخ المصري الحديث، حين نجحت القوات المسلحة في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، معلنة بداية معركة تحرير سيناء واستعادة الكرامة الوطنية. لم يكن هذا النصر وليد ساعات من القتال فقط، بل ثمرة سنوات طويلة من الإعداد الشامل والتخطيط المحكم، بدأت منذ ما بعد نكسة يونيو 1967، وتحولت خلالها الدولة المصرية إلى خلية عمل متكاملة هدفها استرداد الأرض وبناء جيش قادر على خوض معركة مصيرية.
إعادة بناء الجيش بعد 1967.. بداية الطريق
عقب حرب يونيو 1967، واجهت مصر تحديًا وجوديًا تمثل في إعادة بناء قواتها المسلحة من جديد. تولت القيادة السياسية والعسكرية آنذاك، بقيادة الرئيس الراحل أنور السادات، مهمة استكمال ما بدأه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من إعادة تنظيم الجيش ورفع كفاءته القتالية.
شهدت تلك المرحلة تطويرًا شاملًا في بنية القوات المسلحة، من تحديث نظم القيادة والسيطرة، إلى إعادة تسليح الوحدات بأسلحة أكثر تطورًا، إلى جانب رفع الروح المعنوية للمقاتلين الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية استعادة الأرض المحتلة. وكانت حرب الاستنزاف (1968–1970) بمثابة مدرسة قتالية حقيقية، أعادت الثقة للجيش المصري وأثبتت قدرته على المواجهة وإلحاق الخسائر بالعدو.
حرب الاستنزاف.. معركة الإرادة الطويلة
لم تكن حرب الاستنزاف مجرد اشتباكات متفرقة، بل كانت مرحلة إعداد حقيقية لحرب التحرير الكبرى. فقد استهدفت إنهاك العدو وإجباره على البقاء في حالة استنفار دائم، وفي الوقت نفسه اختبار كفاءة القوات المصرية في إدارة العمليات العسكرية على الجبهة.
خلال هذه الفترة، تم تطوير الدفاعات الجوية بشكل لافت، ما أدى لاحقًا إلى إقامة ما عُرف بـ"حائط الصواريخ"، الذي لعب دورًا محوريًا في حماية سماء المعركة خلال حرب أكتوبر. هذا الإنجاز الاستراتيجي غيّر موازين القوى وأعطى القوات البرية غطاءً فعالًا أثناء العبور.
خطة الخداع الاستراتيجي.. معركة العقول قبل السلاح
واحدة من أبرز ركائز الاستعداد المصري كانت خطة الخداع الاستراتيجي، التي هدفت إلى إقناع إسرائيل بأن مصر غير مستعدة للحرب.
جرى تنفيذ سلسلة من التحركات السياسية والعسكرية المدروسة، منها الإعلان عن تسريح بعض الجنود في مواسم سابقة، وتنظيم مناورات عسكرية متكررة على القناة حتى أصبحت أمرًا اعتياديًا في نظر العدو.
كما لعبت التحركات الدبلوماسية دورًا مهمًا في تشتيت الانتباه، بينما كانت القيادات العسكرية تضع اللمسات الأخيرة على خطة العبور، التي عُرفت باسم عملية بدر، والتي استهدفت اقتحام قناة السويس وتدمير تحصينات خط بارليف في توقيت مفاجئ ومتزامن.
التحضير للعبور.. تحدي خط بارليف
كان خط بارليف، الذي أقامته إسرائيل على الضفة الشرقية لقناة السويس، يُعد من أقوى خطوط الدفاع في العالم آنذاك، ويضم تحصينات خرسانية وسواتر ترابية عالية ونقاط مراقبة مدججة بالسلاح.
غير أن العقل المصري ابتكر حلولًا غير تقليدية، أبرزها استخدام مضخات المياه ذات الضغط العالي لفتح ثغرات في الساتر الترابي، وهو ما مكّن القوات من العبور خلال ساعات قليلة.
في الساعة الثانية ظهر السادس من أكتوبر 1973، انطلقت الضربة الجوية الأولى، تلاها قصف مدفعي مكثف، ثم بدأت قوات المشاة في عبور القناة تحت حماية نيران مركزة، لتنجح في رفع العلم المصري على الضفة الشرقية، معلنة سقوط أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”.
دور الجبهة الداخلية.. الشعب في قلب المعركة
لم يكن الجيش وحده في ساحة المواجهة، بل كان الشعب المصري شريكًا أصيلًا في المعركة.
فمنذ عام 1967، تحمّل المواطنون أعباء اقتصادية كبيرة لدعم المجهود الحربي، وشاركت المصانع المدنية في إنتاج احتياجات القوات المسلحة، كما تكاتفت مؤسسات الدولة لتوفير الدعم اللوجستي والمعنوي.
الإعلام الوطني لعب دورًا مهمًا في رفع الروح المعنوية، فيما التزمت الجبهة الداخلية بالتماسك والانضباط، وهو ما انعكس إيجابًا على أداء القوات في الميدان.
التنسيق العربي.. جبهة واحدة في مواجهة الاحتلال
جاءت حرب أكتوبر بتنسيق مصري سوري مشترك، حيث شنت القوات السورية هجومًا متزامنًا على جبهة الجولان، ما أربك الحسابات الإسرائيلية وشتّت قواتها بين جبهتين.
كما ساهم الدعم العربي، سياسيًا واقتصاديًا، في تعزيز الموقف المصري، خاصة مع استخدام سلاح النفط كورقة ضغط دولية دعمت الموقف العربي في المحافل العالمية.
من العبور إلى استعادة سيناء
حقق الجيش المصري خلال الأيام الأولى للحرب إنجازات ميدانية مهمة، وأثبت قدرته على التخطيط والتنفيذ الدقيق.
ورغم تعقيدات المعركة وتدخلات القوى الدولية، فإن الحرب مهدت الطريق لمسار تفاوضي طويل انتهى بتوقيع اتفاقيات فض الاشتباك ثم استعادة سيناء كاملة بالطرق السياسية والعسكرية.
وهكذا، لم يكن نصر العاشر من رمضان مجرد معركة عسكرية ناجحة، بل نقطة تحول استراتيجية أعادت صياغة معادلات الصراع في المنطقة، وأكدت أن الإرادة الوطنية قادرة على تجاوز الهزائم وتحقيق الانتصار.
تبقى ذكرى العاشر من رمضان شاهدًا على مرحلة تاريخية جسّدت فيها مصر معنى الصبر والتخطيط والعمل الجماعي. إنها قصة أمة أعادت بناء نفسها، واستثمرت في الإنسان والسلاح والعقل، حتى جاءت لحظة العبور التي غيّرت مجرى التاريخ. وبينما تتجدد الذكرى عامًا بعد عام، يظل الدرس الأبرز أن النصر لا يولد صدفة، بل تصنعه سنوات من الاستعداد والإيمان بالهدف.