برعاية ودعم الأستاذ الدكتور أحمد عبد الفتاح، عميد كلية الزراعة – سابا باشا بجامعة الإسكندرية، تشهد الكلية مرحلة جديدة من التطور العلمي والتكنولوجي، في إطار توجهها نحو بناء منظومة بحثية رقمية متكاملة تعتمد على أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية ونظم المعلومات الجغرافية، بما يسهم في تطوير جودة البحث العلمي ودعم خطط التنمية الزراعية المستدامة.

وتأتي هذه الخطوات في إطار رؤية الكلية لتعزيز التميز البحثي ومواكبة الثورة الصناعية الرابعة، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي أداة فاعلة في مساعدة الباحثين وطلاب الدراسات العليا على تحليل البيانات الضخمة، واكتشاف الفجوات البحثية، ومراجعة الأدبيات العلمية، وتحسين جودة النشر الدولي وزيادة التأثير العلمي للأبحاث المنشورة.

وفي نموذج عملي يعكس هذا التوجه المتطور، نجح فريق من طلاب كلية الزراعة – سابا باشا في تنفيذ مشروع تخرج مبتكر بمنطقة دلنجات بمحافظة البحيرة، يعتمد على تقنيات نظم المعلومات الجغرافية (GIS) والاستشعار عن بُعد لتقييم الأراضي الزراعية وتحليل التغيرات التي شهدتها المنطقة على مدار أكثر من 53 عامًا.

وتم تنفيذ المشروع تحت إشراف الدكتورة هدى عبد الفتاح محمود، بمشاركة الطلاب شهد محمد حسن، ويارا دياب محمد، وإيريني ناجي رشدي، وأحمد خالد محمد، وأحمد رضا نعيم، الذين نجحوا في توظيف التكنولوجيا الحديثة لخدمة التنمية الزراعية وإنتاج نموذج علمي يمكن الاستفادة منه على نطاق واسع.

واعتمد الفريق على تحليل صور الأقمار الصناعية لرصد تطور استخدامات الأراضي والغطاء الأرضي خلال أكثر من نصف قرن، حيث كشفت النتائج عن ارتفاع مساحة الأراضي الزراعية من نحو 35% خلال سبعينيات القرن الماضي إلى أكثر من 57% في الوقت الراهن، مقابل تراجع ملحوظ في الأراضي الجرداء، وهو ما يعكس نجاح جهود التوسع والاستصلاح الزراعي.

ولم تتوقف الدراسة عند حدود الرصد والتحليل، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدمًا من خلال دمج نظم المعلومات الجغرافية مع نظام ALES لتقييم صلاحية الأراضي للمحاصيل المختلفة وفق خصائص التربة والعوامل البيئية، ما أتاح إعداد خرائط رقمية دقيقة تساعد على تحديد أنسب المحاصيل لكل منطقة وتحسين كفاءة استغلال الموارد الزراعية.

كما كشفت الدراسة عن عدد من التحديات التي تواجه التربة في المنطقة، من بينها ارتفاع معدلات الملوحة، وانخفاض نسبة المادة العضوية، ونقص بعض العناصر الغذائية الأساسية، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة على الإنتاجية الزراعية وتتطلب خططًا علمية لمعالجتها.

وأظهرت النتائج أن محاصيل القمح وبنجر السكر والفول البلدي والبطاطس والطماطم تعد من أكثر المحاصيل ملاءمة لظروف المنطقة، بما يفتح المجال أمام فرص استثمارية واعدة ويساعد المزارعين على اتخاذ قرارات أكثر دقة فيما يتعلق بالتركيب المحصولي.

ومن أبرز مخرجات المشروع تطوير منصة رقمية مبتكرة تحمل اسم "Soil Sense 3D"، والتي تمثل قاعدة بيانات تفاعلية تجمع كافة المعلومات الخاصة بالتربة واستخدامات الأراضي وتقييم المحاصيل في واجهة سهلة الاستخدام، تتيح للباحثين والمزارعين وصناع القرار الوصول إلى المعلومات وتحليلها بصورة سريعة وفعالة.

وتكتسب المنصة أهمية خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وضغوط الأمن الغذائي، حيث توفر أدوات تساعد على التخطيط المستقبلي وتحسين كفاءة استخدام الأراضي والموارد الطبيعية، بما يدعم توجه الدولة نحو الزراعة الذكية والاقتصاد الأخضر.

كما استخدم المشروع نماذج تنبؤية حديثة لرسم سيناريوهات مستقبلية حتى عام 2050، أظهرت استمرار التوسع الزراعي في المنطقة خلال السنوات المقبلة نتيجة زيادة الطلب على الغذاء واستمرار جهود التنمية، وهو ما يؤكد أهمية تبني سياسات تعتمد على البيانات الدقيقة والتكنولوجيا الحديثة في إدارة الموارد الزراعية.

ويؤكد هذا المشروع أن كلية الزراعة – سابا باشا لا تكتفي بمواكبة التطورات العالمية في مجالات البحث العلمي والتحول الرقمي، بل تسهم في صناعة نماذج تطبيقية مبتكرة تربط بين التكنولوجيا والواقع الزراعي، وتقدم حلولًا عملية لدعم التنمية المستدامة وتعزيز مكانة جامعة الإسكندرية كمؤسسة أكاديمية رائدة في مجالات الابتكار والبحث العلمي.