عثر فريق بحثي دولي يقوده عالم الحفريات المصري هشام سلام، على مجموعة حفريات تفتح نافذة نادرة على لحظة حاسمة في تاريخ الحياة البحرية.
وتكشف الحفريات، المحفوظة بدرجة استثنائية، في موقع قرية 3 الأحفوري، المعروف باسم "لاجرشتاته" بالصحراء الشرقية في مصر، أن ملامح مجتمعات الأسماك البحرية الحديثة بدأت تتشكل بعد نحو 4 ملايين سنة فقط من الانقراض الكارثي الذي أنهى عصر الديناصورات.

ولا تضيف الدراسة، المنشورة في دورية Science Advances، مجرد موقع حفري جديد إلى خريطة علم الحفريات، بل تعيد ترتيب فهم العلماء لسرعة تعافي المحيطات بعد اصطدام كويكب تشيكشولوب بالأرض قبل 66 مليون سنة.
تاريخ الحياة البحرية
طيلة سنوات، ظن العلماء أن صعود مجتمعات الأسماك البحرية الحديثة استغرق وقتاً أطول بعد انقراض الديناصورات، وأن الملامح الواضحة لهذه المجتمعات لم تظهر بقوة في السجل الحفري إلا لاحقاً، خصوصاً مع بداية العصر الإيوسيني، أي بعد نحو 10 ملايين سنة من الاصطدام.

لكن، وبدلاً من صورة قديمة تفترض أن صعود الأسماك البحرية الحديثة كان بطيئاً وممتداً حتى بدايات العصر الإيوسيني، تكشف الحفريات المصرية، المؤرخة بدقة إلى 62.2 مليون سنة، أن مجتمعاً بحرياً غنياً، ومألوفاً في تركيبه العام، كان موجوداً بالفعل في أوائل العصر الباليوسيني.
وتكشف الحفريات أن المحيطات لم تنتظر طويلاً كي تبدأ صياغة عالمها الحديث بعد نهاية الديناصورات، فبعد أقل من 4 ملايين سنة من واحدة من أعظم كوارث الأرض، كانت مجموعات سمكية نعرف أقاربها اليوم قد بدأت تملأ البحار، وتحتل أدواراً بيئية متنوعة، وتؤسس لمجتمعات ستصبح لاحقاً جزءاً مركزياً من الحياة البحرية الحديثة.
أقدم سجلات هيكلية
خلال بعثات ميدانية، نظمها مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية في أعوام 2020 و2021 و2023، جُمعت من الموقع نحو 500 عينة سمكية، بينها هياكل عظمية كاملة، أو شبه كاملة، محفوظة غالباً في صورة مضغوطة جانبياً داخل الصخور.
وركزت الدراسة الحالية على نحو 180 عينة دُرست بتفصيل أكبر، وكشفت عن 21 تصنيفاً على الأقل من الأسماك شعاعية الزعانف، موزعة على 9 رتب.

يكشف الموقع عن أقدم سجلات هيكلية مؤكدة لعدة خطوطس بحرية حية، أو قريبة من خطوط حية لا تزال موجودة في محيطات اليوم، ومن بين هذه الخطوط أسماك من عائلة تعرف باسم السكومبريدات، التي تضم الماكريل والتونة وأقاربها، وكذلك التريكيورويدات، التي تضم الماكريل الثعباني، وأسماك السيف الشريطية، إضافة إلى عائلات مثل أسماك القمر، وأسماك الجاك.
يضم الموقع أسماكاً أنبوبية الفم ترتبط بمجموعة تشمل أسماك الأنبوب، وفرس البحر، إلى جانب أشكال قد تمثل أقدم أعضاء واضحة في مجموعة تضم أسماك البوق، وأسماك الكورونيت، وتظهر أيضاً أسماك من عائلة الفيلفيريدات، وهي أقدم سجلات واضحة لمجموعة لامبريفورم تنتمي إلى عائلة حية، فضلاً عن أسماك دورية الشكل، وأسماك رنكية الشكل، وأسماك عظمية اللسان.

من بين العينات اللافتة في الموقع سمكة من جنس Mene، وهي من أسماك القمر، وكانت أكثر الأسماك القابلة للتحديد وفرة في الموقع المصري، ممثلة بنحو 80 سمكة، كما ظهرت أسماك جاك ذات أجسام مغزلية، وأسماك سكومبريدية تحمل سمات تشريحية ترتبط بأقارب التونة والماكريل، وأسماك ذات فكوك، وأسنان تشير إلى أنماط افتراس متنوعة.
وتقدم هذه التفاصيل التشريحية معلومات لا توفرها الأدلة المجهرية، أو الأجزاء المعزولة وحدها، فهي تسمح بمقارنة العظام عظمة بعظمة مع الأقارب الحية، أو المنقرضة، وتساعد على تحديد مواقع هذه الأسماك في شجرة الحياة، وتمنح العلماء فهماً أفضل لشكل الجسم والفكين والزعانف، وهي عناصر ترتبط مباشرة بطريقة السباحة والتغذية والعيش في البيئة البحرية.