تُعد قرية الزرابي التابعة لمركز أبوتيج بمحافظة أسيوط واحدة من القرى العريقة التي تحمل تاريخًا طويلًا من الأصالة والعراقة، وتقع بالحاجر الجبلي الغربي غرب ترعة السوهاجية، شمال المشايعة باتجاه ناحية النخيلة، وترتبط بها جغرافيًا واجتماعيًا حتى قيل إن القريتين كانتا في الأصل بلدة واحدة، نظرًا لتلاصق الأراضي وتشابه السكان في العادات والتقاليد والهيئات وحتى شكل المنازل.
القبائل العربية.. البداية الأولى لتأسيس القرية
تشير الروايات المتوارثة إلى أن معظم أهالي الزرابي من أصول عربية، حيث يُرجح أن تأسيسها جاء على يد القبائل العربية التي قدمت إلى صعيد مصر واستقرت به بعد امتهان الزراعة، وقد نزلت هذه القبائل جنوب أبوتيج في منطقة اشتهرت بكثرة النخيل، فأطلقت عليها اسم “النخيلة”، ثم أرسلت عددًا من أبنائها لحماية الأراضي الزراعية الواقعة في الجانب الغربي من النهب والسطو، ومن أبرز هذه العائلات: عبدالهادي، غانم، يحيى، القمامحة، الشنايفة، همام، والحضايرة.
وتفرعت من هذه الأصول عشرات العائلات الكبرى مثل الحساسنة، السوالم، الدقايشة، الرقومة، عمران، حضيري، أبو خليفة، النصيرات، الحنفيات، قعود، كيلاني، حمزة، عمار، الهرايدة، العيس، القوادر، الدهوبة، الزناتي، الوحاشة، خلف الله، خليفة وخلاف، حتى أصبحت الزرابي واحدة من أكبر قرى أبوتيج من حيث الامتداد العائلي والاجتماعي.
صفات الصعيد الأصيلة وحكاية أول ثأر
حافظت الزرابي على طبيعتها الصعيدية الأصيلة، فاشتهرت بالكرم والجود والشهامة والشجاعة، إلى جانب قوة الروابط العائلية والزواج داخل العائلة الواحدة، كما عرفت القرية أولى وقائع الثأر نتيجة المنافسة الانتخابية بين أنصار الزعيم سعد زغلول وأنصار عدلي يكن، وهي واقعة تركت أثرًا اجتماعيًا كبيرًا داخل المجتمع الريفي آنذاك.
1905.. عام التعليم النظامي الأول
يُعد عام 1905 علامة فارقة في تاريخ الزرابي، إذ شهد إنشاء أول مدرسة للتعليم النظامي داخل القرية، لتصبح من أوائل قرى مركز أبوتيج التي دخلها التعليم الرسمي مبكرًا، وهو ما يعكس مكانتها التاريخية ووعي أبنائها بأهمية العلم منذ بدايات القرن الماضي، وقد ساهمت هذه المدرسة في تخريج أجيال متعاقبة من أبناء القرية الذين شغلوا مناصب مهمة في مختلف المجالات، لتظل المدرسة شاهدة على مرحلة مهمة من نهضة الزرابي التعليمية.
أقدم نقطة شرطة بأسيوط وربما على مستوى الجمهورية
وفي العام نفسه، شهدت الزرابي إنشاء أول نقطة شرطة بمحافظة أسيوط، وربما من أقدم النقاط الشرطية في مصر، حيث أسسها الاحتلال الإنجليزي عام 1905 بالتزامن مع إنشاء مديرية أمن أسيوط، ولا يزال المبنى القديم قائمًا حتى اليوم بطرازه الإنجليزي المميز، بلونه الأصفر القاتم، وبابه الخشبي العتيق الذي تعلوه شراعة حديدية، ونوافذه الخشبية التي أكل الزمن أجزاءً كبيرة منها، فيما لا تزال اللافتة القديمة التي تحمل عبارة “نقطة بوليس” شاهدة على تاريخ تجاوز 100 عام، وكانت النقطة تخدم نطاقًا واسعًا يبدأ من قرية بني سميع شمالًا حتى الغنايم جنوبًا، ما منحها أهمية أمنية استثنائية في تلك الفترة.
دور حاسم في الخصومات والثأر والإصلاح الزراعي
لعبت نقطة شرطة الزرابي دورًا محوريًا في حفظ الأمن، خاصة خلال الستينيات، حيث كانت تتدخل بشكل مباشر لاحتواء الخصومات الثأرية وفض الاشتباكات بين العائلات.
كما كان لها دور بارز عام 1997 في تنفيذ وإنهاء ملفات العلاقة الإيجارية بين الملاك والمستأجرين للأراضي الزراعية، ضمن تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي، وهو ما جعلها جزءًا مهمًا من التاريخ الاجتماعي والإداري للقرية.
قيادات أمنية صنعت تاريخ النقطة
تعاقب على رئاسة نقطة شرطة الزرابي عدد من القيادات الأمنية البارزة، من بينهم فاروق حلمي وحلمي بيومي في الستينيات، وعبدالراضي حجاب في السبعينيات، ثم محمد عبدالصبور الكومي ورجب عبدالرحمن في الثمانينيات، تلاهم محمد كمال سعيد ومحمد السيد شريف، ومحمود البناء، وسيد عبدالشافي، وأشرف عبدالسميع، وبدوي هاشم، ومصطفى خليفة، وسيد عبدالعال، ومحمود البريقي، وأشرف محروس.
ومع تطور الخدمات الأمنية، تم إنشاء نقطة شرطة حديثة بالزرابي، وإخلاء المبنى القديم الذي بقي شاهدًا حيًا على أكثر من قرن من التاريخ الأمني والاجتماعي، ليظل أحد أبرز معالم القرية حتى اليوم.