في ندوة اتسمت بعمق الطرح وتعدد زوايا القراءة، استضاف المجلس الأعلى للثقافة بمكتبة الاطلاع مناقشة كتاب «فضائل المأساة فلسفة حياة» للدكتور الصاوي الصاوي أحمد، وذلك تحت رعاية الدكتورة جيهان زكي، وبإشراف الدكتور أشرف العزازي، الأمين العام للمجلس، وسط حضور لافت من الأكاديميين والباحثين والمهتمين بالشأن الفلسفي والنقدي.

جاءت الندوة بحضور الكاتب الصحفي أحمد محمود الذي تولى إدارة اللقاء، حيث بدا منذ اللحظات الأولى حرصه على تحويل المناقشة إلى مساحة فكرية مفتوحة لا تكتفي بعرض محتوى الكتاب، بل تمتد إلى مساءلة أفكاره وتفكيك بنيته، وفتح نقاش حول القضايا التي يطرحها من منظور فلسفي وإنساني أوسع.

واستهلت الدكتورة سهير عبد السلام مداخلتها بقراءة تحليلية دقيقة للكتاب، توقفت فيها عند طبيعة النص الذي يتحرك بين أكثر من مستوى، يجمع بين السيرة الذاتية والتأمل الفلسفي، معتبرة أن المؤلف يشتبك مع تجربته الشخصية بوصفها مدخلًا للتفكير وليس مجرد سرد ذاتي. وأشارت إلى أن النص يكشف عن شخصية فكرية متعددة التكوينات، تتجاور فيها الجدية مع مساحات من التأمل الإنساني، في بناء سردي يعتمد على استدعاء الذات كأداة لفهم العالم.

وفي مداخلة امتدت إلى أفق فلسفي أوسع، تناول الدكتور حسن حماد إشكالية الكتابة عن الذات من منظور نقدي، متوقفًا عند الحدود الفاصلة بين السيرة الذاتية والمذكرات والاعترافات، ومثيرًا مجموعة من الأسئلة حول دوافع الإنسان للعودة إلى ماضيه، وهل يرتبط ذلك بالحنين أو بإعادة تشكيل الذات أو بمحاولة مقاومة فكرة الفناء. وقد فتح هذا الطرح بابًا لنقاشات جانبية بين الحضور حول معنى الكتابة الذاتية وحدودها ودورها في الفلسفة المعاصرة.

أما الدكتور محمد ثروت، فقد قدّم قراءة نقدية اتسمت بالتركيز على التفاصيل الدقيقة داخل النص، مشيرًا إلى ما وصفه بـ«فضيلة الكتاب» في تجنبه الإساءة إلى الآخرين، وهو ما اعتبره مؤشرًا على وعي أخلاقي داخل التجربة الكتابية. كما توقف عند البعد الرمزي لتكرار اسم المؤلف داخل النص، معتبرًا أن ذلك يعكس علاقة مركبة بين الذات والكتابة، وبين التجربة الشخصية وإعادة إنتاجها داخل العمل الأدبي أو الفلسفي، إلى جانب إشارته إلى حرص المؤلف على توجيه الشكر لأساتذته في الفلسفة، بما يعكس امتدادًا معرفيًا داخل النص.

وخلال النقاش، اتسع المجال لعدد من المداخلات من الحضور، التي تنوعت بين الأسئلة النقدية والتأملات الفلسفية، حيث طُرحت تساؤلات حول طبيعة الكتابة الفلسفية الحديثة، وحدود المزج بين التجربة الشخصية والتحليل الفكري، ودور السيرة الذاتية في تشكيل المعرفة الإنسانية، في نقاش اتسم بالحيوية والتفاعل وتعدد وجهات النظر.

واختُتمت الندوة بمداخلات من الدكتور الصاوي الصاوي أحمد، الذي استعرض ملامح رؤيته الفكرية ومنهجه في الكتابة، موضحًا أن مفهوم «المأساة» في كتابه لا يُقدَّم بوصفه حالة من الألم أو الانكسار، بل باعتباره مدخلًا فلسفيًا لفهم الإنسان في لحظات ضعفه وقوته معًا، وكيف يمكن للتجربة الإنسانية بكل تناقضاتها أن تتحول إلى أداة للتأمل وإعادة بناء المعنى. وأشار إلى أن الكتابة لديه تنطلق من تداخل التجربة الشخصية مع الأسئلة الكبرى للوجود، في محاولة لخلق مساحة فكرية تجمع بين الذات والعالم دون فصل حاد بينهما.

وبهذا الطرح، اختتمت الندوة التي بدت أقرب إلى حوار فلسفي مفتوح، أعاد طرح أسئلة الكتابة والذات والمعرفة من جديد داخل فضاء ثقافي يسعى إلى توسيع دائرة النقاش حول الفكر الإنساني وأبعاده المختلفة.