يحتفل أهالي محافظة سوهاج بعيدها القومي من كل عام خلال شهر أبريل، والذي قدم فيه أهالي المحافظة نموذجاً فريداً في التضحية والنضال من خلال تصديهم للحملة الفرنسية التي هاجمت قرى ومدن المحافظة، وخاض فيها أبناء مركز جهينة معركة شرسة ضدهم، أجبرتهم على الانسحاب من أرض الصعيد، لتمثل ملحمة وطنية تم تنفيذها في جدارية فنية ضخمة توثق مراحل المقاومة وحتى الهزيمة بمدخل مدينة جهينة.
يقول المهندس محمد إبراهيم وكيل مديرية التموين بسوهاج، وأحد أبناء مركز جهينة، بإن "جهينة" إن قبيلة جهينة دخلت مصر أيام الفتوحات الإسلامية مع جيش الراية بقيادة عمرو بن العاص سنة 20 هـ و641م، وانتشروا بعدها في منطقة الأشمونين جنوب المنيا ثم اتجهوا جنوبا نحو سوهاج والنوبة، وهناك عائلات من جهينة في محافظة الشرقية وقنا والقليوبية، ما زال قسم كبير يحتفظ باسم قبيلة جهينة، وساهم رجال جهينة فى فتح السودان فى عصر الفتوحات الاسلامية، وعرفنا من التاريخ " كتاب الثورة العرابية والاحتلال الانجليزى لـ عبد الرحمن الرافعي ص429والوقائع المصرية عدد أول يناير سنة 1883م."

ويتابع إبراهيم خلال حديثه لجريدة " اليوم" ، أن عبد الله بهادر عمدة جهينة كلها قبل أن تقسم لشرقية وغربية، شارك فى الثورة العرابية وأمدها بالمال والعتاد والرجال مما أفقده منصبه بعد هزيمة العرابيين في التل الكبير، واحتلال الإنجليز للبلاد، كما قاوم أهالي جهينة الحملة الفرنسية بكل بسالة ونضال، حتى تم طرد الفرنسيين من جهينة بالكامل مما أدى إلى إندلاع الثورة ضد الفرنسيين فى باقى مراكز المحافظة، وتحتفل محافظة سوهاج بالعيد القومي يوم 10 أبريل تخليدا لهذه الملحمة الوطنية.
ويستكمل بأن مدينة جهينة تعد إحدى المدن الكبيرة التى تتميز بالنشاط التجارى الواسع ويتميز أهلها بالأصالة والصلابة الشديدة والعراقة والجرأة الكبيرة فى مواجهة الشدائد والمحافظة على العادات والتقاليد الأصيلة، والنجاح الباهر خارج نطاق المحافظة، وينتشر عدد كبير منهم فى محافظات القاهرة والإسكندرية ومرسى مطروح وبورسعيد وأسوان ووصلوا حتى حلايب وشلاتين، وجميعهم أصحاب انشطة تجارية ومقاولات على نطاق واسع وانشطتهم فى ميناء الإسكندرية وبحيرة ناصر لا تخفى على أحد.
ويضيف أيمن يوسف، مأمور ضبط قضائي بوزارة التموين من أبناء مركز جهينة، بأنه في 6 أبريل عام 1799م، أمر القائد "دافو" بمهاجمه "برديس" واندلعت المعركة بينهم فتجمع الأهالي وعشائر القبائل ضد الفرنسيين في معركة شرسة بينهم وأجبروهم الفرار إلى جرجا وبدأت المعركة هناك 7 أبريل واحتشد فيها ما يقرب من 3 آلاف شخص وشهدت معارك طاحنة بينهم إلى أن ثورات هذه القرى امتدت إلى طهطا، ثم طلب الفرنسيين الامداد لهم لقمع ثورة الأهالي ضدهم في قرى الصعيد.
ويوضح خلال حديثه لموقع " اليوم " بأن الضابط "لاسال " أقبل قادماً من أسيوط بجنوده في صباح يوم 10ابريل عام 1799م متوجهاً إلى القرى المتمردة، وهي " جرجا وبرديس " ويقود قوة عسكرية مجهزه بمدافع خفيفة وخياله مدربة بهدف إخضاع هذه القرى وتأمين خطوط الامداد الفرنسية إلى أن فوجئ ما لم يتوقعه من أهالي عرب جهينة ومن هنا بدأت المعركة الحقيقية بين الفرنسيين وأهل الصعيد حيث عقد أهالي عربان جهينة وشيوخ القبائل المجاورة لهم و هم " قبيلة نزه والصوامعة وقبائل هوارة المعروفة بقبائل الهلة وأهالى طهطا والمراغه" اجتماعاً سرياً خططوا فيه على "أرض جهينة" العظيمة.
ويشير: “من هنا قادت جهينة برجالها المعركة، حيث استغل أهل جهينة طبيعة الأراضي الزراعية والممرات الضيقة بين الحقول وسط الزراعات لنصب كمائن للجنود الفرنسيين، وقسموا أنفسهم إلى مجموعات صغيرة والأختباء في الأراضي الزراعية وعند وصول الفرنسيين إلى أرض جهينة، بدأ الهجوم عليهم من الأهالى والخروج من الزراعات من كل ناحيه مستخدمين الأسلحة التقليدية وهي السيوف وخناجر والعصى و الشووم والفؤوس وبعض الأدوات التى كان يستخدمها أهل الصعيد فى الزراعة على غرار الجيش الفرنسي الذي كان يستخدم المدافع والخيالة المدربة”.
ويؤكد أن بسالة وشجاعة أهل جهينة أدت الى إرباك الجيش الفرنسي المنظم الذي كان يعتمد على الأراضي الواسعة وبذلك وجد نفسه عاجزا وسط الزراعات والحقول ولم يجد هدفا واضحا أمامه لمحاربته لما فيه من استبسال وشجاعة أهل جهينة، مما زاد ارتباكه واستطاع أهل جهينة في قطع الإمداد للفرنسيين ، ثم أمر الضابط الفرنسي "دافو" وسط هذه الفوضى العارمة واستمرار القتال سيؤدى إلى خسائر فادحة وسط جنوده مما أدى الى خروج الفرنسيين من سوهاج، لتنهى المعركة بهزيمة الفرنسيين في 10 أبريل على أرض جهينة وظل هذا اليوم رمزاً للعزة والنصر والكرامة إلى يومنا هذا، وأصبح عيداً قومي لمحافظة سوهاج تعظيما وتمجيداً لما فعلوه أجدادنا وتخليدا لذكراهم ضد العدو الفرنسي، وذلك بحسب ما ذكر المؤرخ عبد الرحمن الرفاعي في سرده لتاريخ الحركة القومية في مصر.
