شهر رمضان المعظم والذي تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النيران، وهو شهر القرآن والعبادة، ويتنافس المسلمون فيه بالقرب من الله سبحانه وتعالي.

وأجري موقع اليوم حوار مع الأستاذ الدكتور مختار عبد الخالق عبد اللاه، أستاذ تعليم اللغة العربية بجامعتي الملك سعود وسوهاج سابقاً، حول فضائل هذا الشهر الكريم، وعن فضل الصيام وتقوية العبادة وليلة القدر.

كيف يتم الاستعداد لشهر رمضان؟

 شهر رمضان المبارك ذلك الضيف العزيز الذي ننتظره كل عام لِيحُل علينا ببركاته ورحماته يقول الحق تبارك وتعالى ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[ سورة البقرة: 185] ، والضيف العزيز دومًا يحتاج لاستعداد وتجهيز لاستقباله، سواء كان الاستعداد في أنفسنا أو بيوتنا وأوقاتنا، وكلما عظمت مكانة الضيف كان الاستقبال والتجهيز لقدومه أكبر.

ويمكن تلخيص خطوات للاستعداد لشهر رمضان في النقاط الآتية:

 1- التوبة الصادقة.

 2- الدعاء. 

3- الفرح بقرب بلوغ شهر رمضان. 

4- إبراء الذمة من الصيام الواجب. 

5- التزود بالعلم لتقف على أحكام الصيام. 

6- المسارعة في إنهاء الأعمال التي قد تشغلك في رمضان عن العبادات. 

7- الجلوس مع أهل البيت لإخبارهم بأحكام الصيام. 

8- إعداد بعض الكتب التي يمكن قراءتها في هذا الشهر الفضيل.

 9- الصيام من شهر شعبان. 

10- قراءة القرآن.

كما أن الاستعداد لشهر رمضان يلزمه تخطيط، فالتخطيط الجيد هو سر النجاح، ولذا ينبغي أن تقوم بإعداد خطة محددة وواضحة لما نريد أن نحققه في رمضان، فلا يكفي أن ننوي أن نصلي كثيرًا، أو أن نتصدق، أو أن نفعل الخير، وإنما لابد أن يكون لدينا خطة بعدد ختمات القرآن، وكم سنقرأ في كل يوم وليلة وفي أي الأوقات، كذلك عدد الركعات التي سنصليها ومتى، وما مقدار الصدقات، ولمن ستكون مصارف الزكوات، وما هي الخبيئات التي بيننا وبين الله، وينبغي أن يكون لدينا تصور لأنواع القربات وأوقاتها، كصلة الأرحام وترتيبها... إلخ.

ما عبادة الصيام؟

الصيام عبادة قديمة عرفتها الشرائع قبل الإسلام، قال تعالى {يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}  [سورة البقرة آية 183]

ويعد الصوم عبادة من أعظم العبادات في الإسلام، حيث يُعد أحد أركان الإسلام الخمسة. 

والصَّوم لغةً: الإمساكُ، واصطلاحًا: التعبُّدُ لله سبحانَه وتعالى، بالإمساكِ عن الأكلِ والشُّربِ وسائِرِ المُفَطِّراتِ، مِن طُلوعِ الفَجرِ إلى غُروبِ الشَّمسِ.

وقد شرَعَ اللهُ سبحانه وتعالى الصوم لعبادِه؛ رحمةً بهم، وإحسانًا إليهم، وحِمْيَةً لهم وجُنَّةً 

فالصِّيامُ له حِكَمٌ عظيمةٌ وفوائدُ جليلةٌ؛ منها:

1- أنَّ الصَّومَ وسيلةٌ لتحقيقِ تقوى الله عزَّ وجَلَّ.

2- إشعارُ الصَّائِم بنعمةِ الله تعالى عليه.

3- تربيةُ النَّفسِ على الإرادةِ، وقوَّةِ التحَمُّلِ.

4- في الصَّوم قهرٌ للشَّيطانِ.

5- الصَّومُ موجِبٌ للرَّحمةِ والعَطفِ على المساكينِ.

6- الصَّومُ يُطَهِّرُ البَدَنَ من الأخلاطِ الرَّديئةِ، ويُكسِبُه صحةً وقوةً.

ما درجات الصيام؟

نُسِبَ إلى الإمام الغزالي رحمه الله أن درجات الصيام ثلاثة: عادية ، وخاصّة ، وخاصّة جدّا. أما الصيام العادي فيعني الامتناع عن الطعام والشراب والعلاقة الجنسية، وأما الصيام الخاص فيعني أن يحفظ المرء سمعه وبصره ولسانه ويديه ورجليه وجميع الأعضاء الأخرى بعيدًا عن الآثام، وأما الصيام الخاص الممتاز فيعني صيام القلب عن الاهتمامات والأفكار الدنيوية التي لا تستحق وأن يكون في تجاهل تام لكل شيء ما عدا الله. وليس المقصود من ذلك : أن العوام لهم صوم، والخواص لهم صوم، بل الجميع مأمورون بتحقيق أعلى الصوم وأكمله، لكن اقتضت سنة الله تعالى في عباده أنهم متفاوتون في ذلك، كما أنهم متفاوتون في إقامة الصلاة وتحقيق الخشوع فيها.

كيف يسهم الصيام في تهذيب النفوس؟

إن صوم رمضان ركن من أركان الإسلام التي بُني عليها، فرَضه الله على المكلَّفين الحاضرين القادِرين على صومه بدون مشقَّة؛ تهذيبًا للنفوس، وتطهيرًا للأرواح؛ وتخليصًا للقلوب من الأدران والأمراض التي تُصيبها، فهو يُربِّي في الإنسان الصائم روح الفضائل من الأمانة والصبر والإخلاص في العمل، ومُراقبة الله في السرِّ والعلن.

والصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو أحد العبادات التي تُربي النفس وتهذب الأخلاق، إذ يمنح الإنسان فرصةً للتأمل في نِعَم الله تعالى والشعور بمعاناة الآخرين. فالله يختبر عباده بفترةٍ زمنيةٍ محددة يمتنعون فيها عن الطعام والشراب، ليس فقط كتكليفٍ شرعي، بل كوسيلةٍ لتزكية النفس وكبح جماح الشهوات. فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن شهوتي البطن والفرج، بل يشمل التحكم في المشاعر والانفعالات مثل التهور، والغرور، والأنانية، والغضب، مما يسهم في تحقيق التوازن النفسي والسمو الروحي.

كيف يقوي الصوم الإرادة؟

إن الإرادة هي إحدى الصفات الانسانية المهمة التي تؤدي دورًا أساسيًّا في النجاح والتقدم الفردي، والإرادة القوية تساعد الإنسان على المقاومة أمام التحديات والصعوبات وتحقيق الأهداف.

ويسهم الصوم في تعزيز الإيمان وتقوية الإرادة والعزيمة، حيث جُبل الإنسان على حب الشهوات والانغماس في الملذات، مما يجعل الصيام جهادًا مستمرًّا للنفس في مواجهة هذه النزعات الفطرية. ومن خلال الامتناع عن الشهوات، يدخل الصائم في حالة روحانية سامية، فيقترب من ربه بقلب خاشع، مستشعرًا عظيم نعمه عليه. 

وقد روي عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم) يقولُ اللّهُ عَزَّ و جلَّ: مَن لَم تَصُمْ جَوارِحُهُ عن مَحارِمِي فلا حاجَةَ لي في أن يَدَعَ طَعامَهُ و شَرابَهُ مِن أجلِي .(وهذا الحديث يدلّ على أن الصيام ليس عبادة فقط، بل هو أيضاً أداة لتقوية الإرادة ومقاومة الإغراءات.

ما رأيك في موائد الرحمن في رمضان؟

يهتم المسلمون في العالم الإسلامي، وخاصة في مصر بتجهيز موائد الرحمن لإفطار المسلمين، حتي أصبح تجهيز موائد الرحمن لإفطار الصائمين عادة عند بعض القري والمدن يحرصون على إقامتها ويعدون العدة لها طوال العام، والإسلام يَعتبر موائد الرحمن رمزًا للرحمة والتكافل بين المسلمين، وبصفة عامة فإن من فطر صائمًا كان له أجر الصائم؛ عن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قال، قال رسول صلى الله عليه وسلم :(مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا) رواه الترمذي. وعلى كل مسلم يعد موائد الرحمن في رمضان أن يتنبه إلى ضرورة إخلاص النية لله تعالى في ذلك وأن يكون قصده رضا الله تعالى لا رياءً ولا سمعة حتى يكون عمله مقبولًا عند الله تعالى.

ما أفضل وسائل الذكر في رمضان؟

إن الذكر والدعاء في شهر رمضان المبارك لهما فضل عظيم، ففيهما من الخير والبركة ما لا يُحصى، ويُنصح المسلم أن يُكثر منهما في هذا الشهر الفضيل، ليحظى بمغفرة الله تعالى، ورحمته، فالله عز وجل يضاعف أجرَ كل عمل صالح في رمضان، والذكر من أفضل الأعمال الصالحة، فتصبح حسناته مضاعفة، وهذا حافز كبير للمسلم ليحرص على كثرة الذكر في هذا الشهر الفضيل وأن ينال الأجر والثواب الجزيل، ومن أفضل وسائل الذكر في رمضان:

1- قراءة القرآن.

2- التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.

3- التوبة والاستغفار وطلب النجاة من النار.

4- الدعاء. 

ما أهم مفاسد الصيام؟

إن للصوم مفسدات ومبطلات إذا طرأ عليه إحداها في نهار رمضان أفسدته وأبطلت أجره وثوابه، وهي:

1- الجماع.

2- الاستمناء.

3- الأكل والشرب.

4- ما كان بمعنى الأكل والشرب؛ كالإبر المغذية ونحوها.

5- إخراج الدم بالحجامة ونحوها.

6- القيء عمداً.

7- خروج دم الحيض أو النفاس من المرأة.

ما فضل ليلة القدر؟

ليلة القدر من أفضل ليالي السنة لأنها الليلة التي أنزل فيها القرآن، وهو أنزل في رمضان، لقوله تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، وقال تعالى (ليلة القدر خير من ألف شهر)، وهي ليلة مباركة، يُستجاب فيها الدعاء أكثر من أي ليلة أخرى، فيجب على المسلم أن يُكثر من الدعاء في هذه الليلة المباركة، وأن يطلب من الله تعالى ما يريده من الخير في دينه ودنياه.

وقد اتفق جمهور العلماء على فضل ليلة القدر، وقد ذهب العلماء إلى أن هذه الليلة تكون في شهر رمضان، وأنها في العشر الأواخر منه، وأما تحديدها في العشر الأواخر فمختلف فيه تبعًا لاختلاف الروايات الصحيحة، والأرجح أنها في الليالي الوتر من العشر الأواخر، وأرجى ليلة لها هي ليلة السابع والعشرين، وفضلها عظيم لمن أحياها، وهي ليلة عامة لجميع المسلمين، وإحياؤها يكون بالصلاة، والقرآن، والذكر، والاستغفار، والدعاء من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.

وقد روى الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت(قلت: يا رسول الله إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)

ما أهمية طلب العلم في رمضان؟

إن طلب العلم إذا صلحت فيه النية يعتبر من أكبر أبواب الخير لشدة حاجة الناس إلى من يوجههم ويفقههم، فطلب العلم من العبادات، وهو أفضل من كل نافلة، ولذلك لما أراد ابن وهب رحمه الله أن يتحرك للصلاة قال له مالك: إلى أين؟ فقال: إلى الصلاة، فقال له: أولسنا في صلاة؟ 

ويقصد بالعلم فيما سبق العلم الشرعي، أما بالنسبة للدراسة والمذاكرة فإذا كنت تستطيع أن تجمع بين الدراسة والاجتهاد في العبادات الأخرى فذلك طيب وحسن، أما إذا كانت المذاكرة تحتمل التأجيل حتى ينقضي الشهر فاجتهد في صنوف العبادات وتفرغ لدراستك بعد الصيام.

ما أهم ذكرياتك في شهر رمضان؟

ذكرياتي في رمضان ترتبط دومًا بأصدقاء المسجد في صلاة الفجر وعقب صلاة التراويح، والمشاركة في إعداد موائد الرحمن، وسماع التلاوات القرآنية لكبار القراء قبيل صلاة المغرب، كما ترتبط بعادة مصرية تتمثل في صوت المسحراتي، وزيارة الأقارب صلةً للرحم.

وختاما فإن الصوم في الإسلام يتجاوز كونه عبادة روتينية ليصبح منهج حياة متكامل يهدف إلى جهاد النفس وتهذيب الأخلاق وتقوية الإرادة.

IMG-20260221-WA0089
محررة موقع اليوم خلال إجراء الحوار 
IMG-20260221-WA0092
الدكتور مختار عبد الخالق استاذ  اللغة العربية بجامعة سوهاج