في قلب منطقة المنشية بمدينةالإسكندرية، بشارع بحري بك بحي الجمرك، يرتفع "كوم الناضورة" كأحد أبرز الشواهد التاريخية التي تختزن بين جنباتها طبقات متعاقبة من تاريخ المدينة، منذ أكثر من 12 قرنًا وحتى العصر الحديث.

ويُعرف الموقع تاريخيًا باسم "تل وعِلة"، نسبةً إلى عبد الرحمن بن وعلة، أحد كبار التابعين ورجال الحديث في القرن 2 الهجري، والذي دُفن في هذا الموضع، ليصبح التل لاحقًا مزارًا ومقبرة لعدد من كبار العلماء.

إرث ديني فريد

يضم الموقع رفات ثلاثة من كبار أئمة المذاهب الإسلامية، وهم:

الإمام أبو طاهر السلفي – الحنفي

الإمام أبو بكر الطرطوشي – المالكي

الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الرازي – الشافعي

ويمثل هذا التجاور قيمة تاريخية ودينية استثنائية، جعلت من التل نقطة بارزة في الذاكرة الروحية للمدينة.

من المقبرة إلى البرج الفاطمي

وخلال العصر الفاطمي، اكتسب التل أهمية استراتيجية، حيث أُقيم فوقه برج لمراقبة السفن بالميناء الغربي، ما جعله نقطة حيوية لمتابعة حركة التجارة وتأمين السواحل. كما أصبح في تلك الفترة المقبرة الرئيسية لمدينة الإسكندرية.

طابية كافاريللي والحملة الفرنسية

مع وصول الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798، أمر نابليون بونابرت بإقامة طابية حربية فوق التل عُرفت باسم "طابية كافاريللي"، نسبةً إلى أحد مهندسي الحملة الذي توفي خلال حصار عكا عام 1799. وتحول الموقع إلى نقطة دفاعية مهمة تطل على البحر.

عصر محمد علي.. بين الدفاع والعلم

شهد التل في عهد محمد علي باشا تطويرًا عسكريًا، حيث جُهزت الطابية بـ 6 مدافع ومتاريس دفاعية، كما أُنشئ صهريج مياه عام 1876.

ولم تقتصر أهمية المكان على الجانب العسكري، إذ أُقيم به مرصد صغير لدراسة الفلك وتحديد بدايات ونهايات الشهور الهجرية، في دلالة على الجمع بين الوظيفة الدفاعية والعلمية للموقع.

الاحتلال البريطاني وإعادة البناء

عقب الاحتلال البريطاني عام 1881، تعرضت الطابية للتدمير، وتحول الموقع إلى مركز للمراقبة الساحلية.

وفي عام 1926 أُنشئ برج جديد بارتفاع 24.5 متر، يتكون من 3 مستويات، ويتميز بنوافذه المعقودة وزخارفه النجمية البارزة، قبل أن يُعاد بناؤه عام 1936 ليصبح مقرًا لقيادة مراقب الميناء البريطاني ومساعده المصري.

اكتشافات أثرية متواصلة

ولا تزال أعمال الحفر تكشف عن شواهد أثرية مهمة داخل التل، من بينها:

مقابر فاطمية على عمق 6 أمتار

تيجان أعمدة وشواهد قبور من عصور متعددة

قطع خزفية من مصر والشام وتونس وغرناطة ومالطة

فخار مملوكي وشبك عثماني

صهاريج أثرية

بقايا سور المدينة القديمة

باب أثري يُعرف باسم "باب الخوخة" يُعد من النماذج النادرة في مصر

ويمثل "كوم الناضورة" اليوم شاهدًا حيًا على التحولات الدينية والعسكرية والعلمية التي مرت بها الإسكندرية، ليبقى أحد المواقع التي تختصر تاريخ المدينة في بقعة جغرافية واحدة، وتحمل بين أحجارها ذاكرة قرون متعاقبة من الحضارة.