في قلب مدينة الشيخ زايد، لم يكن الاحتفال بيوم اليتيم مجرد فعالية تقليدية، بل تحول إلى يوم مفتوح للبهجة والتواصل، حيث نظمت الهيئة العامة لقصور الثقافة، من خلال فرع ثقافة الجيزة، احتفالية موسعة بمكتبة الحديقة الخضراء الثقافية، عكست حضورا فعليا للأنشطة الثقافية وسط الأطفال وأسرهم.

الحضور بدأ مبكرا، ومعه بدأت ملامح اليوم تتشكل. أطفال يتحركون بين الأركان، ضحكات تتصاعد، وألوان تنتشر على الوجوه والأيدي، في مشهد يعكس حالة من التفاعل الحي، التي حرص القائمون على الفعالية على تحقيقها، بحيث لا يكون الطفل مجرد متلق، بل مشارك في كل التفاصيل.

الجانب التوعوي لم يغِب عن المشهد، حيث استهلت الفعاليات بمحاضرة بعنوان “فضل الإحسان”، قدمها ناصر محمدي مدير المكتبة، وطرح خلالها مفهوما مبسطا للإحسان باعتباره سلوكا يوميا، ينعكس على علاقة الإنسان بغيره، ويحقق له قدرا من الطمأنينة والاستقرار النفسي. وتوقف عند عدد من القيم المرتبطة به، مثل الرحمة والتكافل، وأثرها في تخفيف الضغوط وبناء مجتمع أكثر تماسكا.

ومع انتهاء الفقرة التثقيفية، انتقلت الأجواء سريعا إلى مساحات أكثر حيوية، حيث شهدت ورش الرسم والتلوين إقبالا كبيرا من الأطفال، الذين انخرطوا في رسم شخصيات كرتونية وأشكال متنوعة، بإشراف الفنانة ابتهال وجيه. وعلى مقربة، جذبت ورشة الرسم على الوجه التي نفذتها سهام محمد عشرات الأطفال، الذين اصطفوا للحصول على رسومات مبهجة حولت وجوههم إلى لوحات صغيرة نابضة بالحياة.

وفي محاولة لإضفاء روح التحدي، جاءت المسابقة الثقافية التي أدارتها غادة هشام، لتمنح الأطفال فرصة التفاعل الذهني، حيث تنوعت الأسئلة بين معلومات عامة وأخرى مبسطة، ما خلق حالة من الحماس والمنافسة الودية بينهم.

الفعاليات الفنية شكلت بدورها محور جذب رئيسي، إذ قدم فريق البالية بالمكتبة عرضا حركيا لاقى تفاعلا من الحضور، خاصة مع صغار السن، الذين تابعوا الفقرة باهتمام واضح. ولم يقتصر الأمر على ذلك، حيث أضافت فقرة العزف على آلة الأورج، التي قدمها الفنان عبدالرحمن أحمد، بعدا موسيقيا هادئا داخل اليوم الحافل.

ومع اقتراب الختام، ارتفعت وتيرة التفاعل مجددا مع عرض التنورة التراثية للفنان سيد المصري، الذي نجح في جذب انتباه الحضور، حيث التف الأطفال حوله، في مشهد عكس ارتباط الفنون الشعبية بوجدان الجمهور، وقدرتها على خلق حالة من البهجة الجماعية.

اللافت في الاحتفالية لم يكن فقط تنوع الفقرات، بل الحضور المجتمعي الذي صاحبها، إذ شارك عدد من الشخصيات العامة وأعضاء مجلس أمناء مدينة الشيخ زايد، من بينهم نواب ومسؤولون محليون، ما أضفى على الفعالية بعدا مجتمعيا يعكس اهتماما بدعم الأطفال الأيتام وإدماجهم في أنشطة تفتح أمامهم آفاقا جديدة.

الأنشطة، التي نفذت بإشراف إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي، أكدت أن العمل الثقافي حين يخرج من الإطار التقليدي إلى المساحات المفتوحة، يصبح أكثر تأثيرا، خاصة عندما يستهدف الأطفال ويخاطب احتياجاتهم النفسية والاجتماعية بشكل مباشر.

وفي نهاية اليوم، لم يكن المشهد مجرد احتفالية عابرة، بل تجربة إنسانية متكاملة، نجحت في رسم البسمة على وجوه الأطفال، ومنحتهم مساحة آمنة للتعبير عن أنفسهم، في وقت تؤكد فيه وزارة الثقافة أن دورها يتجاوز تقديم الفنون، ليصل إلى بناء الإنسان وتعزيز تماسك المجتمع.