في خطوة تعكس توجه وزارة الثقافة نحو توسيع دائرة المشاركة الثقافية، نظم أتوبيس الفن الجميل، التابع للهيئة العامة لقصور الثقافة، جولة تثقيفية للأطفال ذوي الهمم إلى المتحف المصري بالتحرير، ضمن برنامج يستهدف دمجهم في الأنشطة الفنية والمعرفية، وإتاحة تجربة تعليمية مباشرة تربطهم بتاريخهم الحضاري بأسلوب تفاعلي.
بدأت فعاليات الجولة بمحاضرة تعريفية قدمتها سيدة صفوت، رئيس القسم التعليمي بالمتحف، تناولت خلالها تاريخ إنشاء المتحف الذي يعود إلى عام 1895 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، موضحة دوره في حفظ وعرض كنوز الحضارة المصرية القديمة. وخلال الشرح، أبدى الأطفال تفاعلا واضحا، حيث حرصوا على طرح أسئلة متنوعة حول طبيعة الحياة اليومية في العصور القديمة، وكيفية استخدام الأدوات المعروضة، خاصة الحلي والأواني وأدوات الزراعة.
ومع الانتقال إلى القاعات المختلفة، تحولت الجولة إلى تجربة حية، حيث وقف الأطفال أمام التماثيل الضخمة والمومياوات في حالة من الدهشة، وتبادلوا التعليقات حول أشكالها وتفاصيلها، بينما حاول البعض تخيل شكل الحياة في تلك الفترات. ولم يقتصر التفاعل على المشاهدة فقط، بل امتد إلى النقاش، حيث عبر الأطفال عن آرائهم بطريقتهم الخاصة، في مشهد يعكس مدى اندماجهم مع المحتوى المعروض.
وفي أروقة المتحف، لفتت القطع التي تجسد تفاصيل الحياة اليومية اهتمام الأطفال بشكل خاص، فاقتربوا من النماذج المعروضة، وبدأوا في الربط بين ما يشاهدونه وما يعيشونه في حياتهم المعاصرة، وهو ما أضفى على الجولة بعدا تعليميا يتجاوز التلقي إلى الفهم والتخيل. كما حرص المشرفون على تبسيط المعلومات، وطرحها بأسلوب يناسب قدرات الأطفال المختلفة، ما ساهم في خلق حالة من التفاعل الجماعي.
وتواصلت الأنشطة من خلال ورشة تشكيلات فنية بالصلصال الحراري، أشرفت عليها الفنانة غادة عبد النبي، حيث تحولت الورشة إلى مساحة مفتوحة للإبداع. بدأ الأطفال في تشكيل نماذج مستوحاة من القطع الأثرية التي شاهدوها، فظهرت تماثيل صغيرة وأشكال تعبر عن خيالهم الخاص، وسط أجواء من الحماس والتشجيع المتبادل. ولم تكن الورشة مجرد نشاط فني، بل ساهمت في تنمية المهارات الحركية الدقيقة لدى الأطفال، ومنحتهم فرصة للتعبير عن أنفسهم بحرية.
ولم يغب البعد التوعوي عن البرنامج، حيث اختتمت الفعاليات بمحاضرة بعنوان «ترشيد الاستهلاك والغذاء الصحي وعلاقته بالتنمية المستدامة»، قدمتها يمنى حسين، وتناولت خلالها مفاهيم مبسطة حول أهمية الحفاظ على الموارد، وتأثير العادات الغذائية على الصحة. وتفاعل الأطفال مع المحاضرة من خلال طرح أمثلة من حياتهم اليومية، والمشاركة في نقاشات حول كيفية تبني سلوكيات صحية، ما أضفى طابعا عمليا على المحتوى المقدم.
وتأتي هذه الجولة ضمن برنامج الإدارة العامة لثقافة الطفل، التابعة للإدارة المركزية للدراسات والبحوث، في إطار استراتيجية تهدف إلى دمج الأطفال ذوي الهمم في الحياة الثقافية، وتقديم محتوى يتناسب مع احتياجاتهم، ويعزز من ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على التعلم والمشاركة.
وأكد القائمون على أتوبيس الفن الجميل أن هذه الفعاليات تمثل جزءا من رؤية أوسع لوزارة الثقافة، تقوم على إتاحة الفنون والمعرفة لجميع فئات المجتمع، خاصة الفئات الأولى بالرعاية، من خلال أنشطة تجمع بين التعلم والترفيه، وتسهم في بناء وعي ثقافي مبكر.
واختتمت الجولة وسط حالة من السعادة بين الأطفال، الذين حرصوا على التقاط الصور التذكارية، والحديث عما تعلموه خلال اليوم، في مشهد يعكس نجاح التجربة في تحقيق هدفها، ليس فقط كزيارة تعليمية، بل كرحلة إنسانية وفنية تترك أثرا ممتدا في وجدان المشاركين.

